تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
صورة مصر بين هيكل ومبارك!
هما من الشخصيات المغرية جدا بالكتابة عنها، الأول هو الأستاذ هيكل أشهر صحفي في تاريخ مصر، مع أن مصر عرفت نجوما شديدة الوهج في الصحافة المصرية منذ بداياتها في القرن التاسع عشر، مثل عبد الله النديم والشيخ على يوسف ومحمد التابعي والأخوين مصطفى وعلى أمين وإحسان عبد القدوس وأحمد بهاء الدين وصلاح حافظ وغيرهم، فالسلسلة ممتدة ولا تنقطع، لكن الأستاذ كان كوكبا متفردا لم يرتفع إلى مدار شهرته صحفي آخر، والثاني هو الرئيس مبارك صاحب أطول فترة في حكم مصر سواء كانت ولاية عثمانية أو سلطنة أو مملكة أو جمهورية، لا يسبقه سوى محمد على باشا مؤسس مصر الحديثة الذي حكمها 43 عاما، أما هو فقد حكمها 29 عاما وثلاثة أشهر و28 يوما!.
شخصيتان غنيتان بالأحداث وردود الأفعال والتأثير، فما بالك لو كانت العلاقة بينهما متشابكة، بين السهولة والتعقيد، البساطة والصدام، الحوار والصمت، الشأن العام والكلام الخاص، آداب الحديث وانفلات الألفاظ، علاقة مغلفة بقيود حريرية غير مرئية من تاريخ طويل بين الصحافة والسلطة!.
هذا ما فعله الدكتور محمد الباز في كتابه «هيكل ومبارك..حروب باردة بين الكاتب والرئيس»، وقد توقفت أمام العنوان، فهو يقدم قلم الكاتب على سلطة الرئيس في هذا الصراع، وكان موفقا، فالكاتب «صانع مواقف» بما يكتبه تأييدا أو اعتراضا، بينما السلطة بما تمتلكه من أدوات نافذة تحتكرها نيابة عن المجتمع، تمرح في مساحات مفتوحة، وتختار من أدواتها ما يحلو لها لتحدد مسار هذه العلاقة وتعدل فيها، وغالبا ما تتأنى السلطة في قراراتها تجاه الكاتب إلا في حالات هي التي تفسر طبيعتها والظروف المحيطة به!.
وفي الحقيقة الباز لا يرصد الحروب الباردة بين هيكل ومبارك وكفى، فدائرة الكتاب بالضرورة أوسع من الشخصيتين البارزتين، لأن ميدان هذه الحروب هو مصر، فرسم لنا لوحة خاصة بألوان ساخنة لحقبة مهمة في تاريخ مصر، وهنا يتصدر الرئيس مبارك المشهد، فهو صاحب السلطة، ومن خلال هذه الحروب الباردة نعرف كيف يفكر، وكيف يتحرك، وكيف يتخذ قراراته، حتى لوكانت هذه القرارات تخص شخصا بعينه هو كاتب ذائع الصيت مشغول طول الوقت بأن يلعب دورا محوريا في بلده داخليا وخارجيا، يتجاوز به حرفة الكاتب إلى «مركز تفكير» لصانع القرار.
في الوقت نفسه يأخذ الباز هذه اللوحة ويضعها على جدران عالمها وصراعاته، ولهذا يختار أحداثا مؤثرة من هذا العالم يفسر بها بعض خطوط اللوحة، وهنا البطل هو الكاتب، الذي يملك حرية التنقل كعصفور طليق، بين الدول والشخصيات والأحداث بحكم بحثه عن الأخبار وصانعيها، مستندا إلى مكانته العالمية. ولهذا ترد عشرات الأسماء الكبيرة لشخصيات وأماكن في رواية الأحداث: فؤاد سراج الدين رئيس حزب الوفد الجديد وآخر وزير داخلية في حكومة الوفد التي سقطت بعد حريق القاهرة في 26 يناير 1952، الدكتور أسامة الباز مستشار الرئيس مبارك، سجن طرة، جعفر نميري الرئيس السوداني الأسبق، سامي شرف مدير مكتب الرئيس جمال عبد الناصر، جريدة واشنطن بوست، الرئيس السادات، قصر العروبة، فتحي رضوان، صلاح عيسي، يوسف إدريس، جريدة الأهرام، عبد الرحمن الأبنودي، الملك حسين بن طلال، مكرم محمد أحمد، لندن، طهران، الدكتور عبد العظيم رمضان، إبراهيم سعدة، الدكتور سمير سرحان، معرض القاهرة الدولي للكتاب، آيات شيطانية، إدوارد هيث، الإمام الخميني، أخبار اليوم، جورج بوش، روبرت فيسك، جمال مبارك، نيويورك تايمز، الجامعة الأمريكية، هنري كيسنجر، باراك أوباما..الخ.
أحداث وحكايات وشخصيات مرسومة ببراعة، وتتوافر فيها المعلومات والمتعة، لكن يظل السؤال الأخطر الذي ظل الكاتب يطارده دون هوادة: لماذا اشتعلت هذه الحروب وكيف دارت معاركها حتى بعد رحيل مبارك عن السلطة في فبراير 2011؟.
هنا نعود إلى البيئة السياسية التي جمعت بين الكاتب والرئيس، أي العلاقة بين الصحافة والسلطة، وهنا السلطة لها الأولوية في التفسير، فالسلطة تريد أن تمسك برقبة الصحافة وتلويها لتصبح خادمة في بلاطها، لسان حالها إلى الناس، تعيد تشكيل وعيهم وفهمهم حسبما تحب أن يكون عليه شعبها، ففي بلاد الشرق منذ قديم الزمان تنظر السلطة إلى الناس باعتبارهم مواطنيها، عليهم أن يسمعوا كلامها، ويتبعوا تعليماتها، ويفكروا مثلها، ويمضوا على الصراط المستقيم الذي ترسمه لهم، وقد تسمح ببعض التجاوزات التي يسهل أن تَتحملها ولا تنتقص من سطوتها!.
هنا يأخذنا الكاتب إلى علاقة هيكل بالزعيم عبد الناصر، ويلجأ في تفسيرها إلى فلسفة مصر القديمة في العلاقة بين الكاهن والفرعون، ونتحفظ بشدة على وصف الفرعون لملوك مصر القديمة، فهو وصف شائع لكنه غير صحيح ولا وجود له على جدران المعابد والمسلات ولا كتابات هيرودوت المؤرخ الإغريقي، ونتسامح في استخدامه كنايةً عن صاحب السلطة المطلقة، خاصة أن الدكتور الباز اعتمد في هذا الوصف على مقال للأستاذ صلاح عيسي عن هذه العلاقة، نشره في مجلة الهلال عدد مايو 1989، ويبدو أن الباز لا يميل إلى الوصف فحسب، بل ويتبناه، ويقتبس من صلاح عيسى أن هيكل لعب دور الكاهن حبا في عبد الناصر الصديق، فسخر كل مواهبه لخدمته، لكن هذا الدور لم يدم سوى ثلاث سنوات وثلاثة أشهر مع السادات، ثم افترقا خصمين لدودين، ثم فشل تماما مع حسني مبارك، لأن شخصية مبارك وظروفه تختلف عن سابقيه، وحدث بينهما نوع من عدم الثقة حين تعرف مبارك على هيكل وتحدث معه لأول مرة في الستينيات.
نحن أمام لوحة من مصر حتى لو كانت عن شخصيات، مازال الجدل حولها سادرا بلا توقف!.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية