تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
رسائل الرئيس
منذ عتاب الرئيس السيسى فى عيد الشرطة لأداء بعض كبار المسئولين، وحثهم على الارتقاء بالكيفية التى يعملون بها، لم تتوقف التفسيرات والتكهنات، فالبعض فهم الرسالة بأنها تعليمات صارمة مباشرة إلى الحكومة الحالية أشبه بحقنة تنشيط لأدائها، وهو ما يعنى استمرارها فى الفترة المقبلة، والبعض فهم الرسالة بأنها تفسير لأسباب التغيير الوزارى القادم، وأنها تتجاوز الحكومة الحالية إلى حكومة جديدة وتقدم لها «منهج» العمل الذى ستُكَلف به!
شيء صحى للغاية أن يتوسع الناس فى التفاعل مع كلام الرئيس، ويناقشونه ويحاولون تفسيره، وفعلا حمل حديث الرئيس سواء إلى الشعب مباشرة أو على مائدة الغداء ما يجبر مواطنيه على تأمله، فنحن أمام كلمات صريحة فيها رؤية شاملة مغلفة ببعض العتاب واللوم، عن مخاطر فى الإقليم وعن مشكلات داخلية، وأن تلك اللحظة الراهنة تستوجب أن نعدل جميعا من مستوى أدائنا العام والخاص، ونرتفع به إلى قدر تلك التحديات.
وهنا نتوقف عند عبارات بعينيها مثل قوله: لن يصمت أمام أى تجاوزات أو تراخ أو عدم قدرة على تحمل المسئولية، «اللى مش قادر يتحمل المسئولية ويواجه التسيب يسيب مكانه ويمشي».
أى يضع الرئيس يده على بعض قصور وتراخ يجب التخلص منه فورا، وبالأخص من أى مسئول يتبع قاعدة «كل شيء هادئ فى الميدان الغربي»، فيؤجل كل القرارات الحاسمة لحين ميسرة حتى لا يغضب احدا، وهنا يجب أن تلعب مؤسسات كثيرة دورها فى رصد أوجه القصور وكشفها، أولا حتى لا تتفاقم، وثانيا حتى نعالج المشكلات والأزمات بكفاءة، وبالطبع تقع مسئولية كبرى على مجلس النواب، فهو إلى جانب التشريع مؤسسة رقابة على السلطة التنفيذية ومحاسبتها، ونوابه منتشرون فى كل أرجاء مصر من أول أسوان إلى مطروح، يمثلون كل فئات وقطاعات المجتمع المصري، ومكاتبهم موجودة فى الأحياء، ولم ينتخبهم المصريون من باب الوجاهة الاجتماعية أو ليتمتعوا بالحصانة البرلمانية أو يعلقوا بادج عضوية البرلمان على سياراتهم، فهم عيون الشعب، ورقابة السلطة التنفيذية لا تقل أهمية عن التشريع، خاصة أن مجلس النواب لا يصدر تشريعا جديدا كل يوم، وهم يتحركون بين أهالى دوائرهم، أى لهم قدرة على معرفة أين يكمن التقصير والتراخى والإهمال، ويملكون من الأدوات البرلمانية ما يساعدهم على تعقبها وفضحها، بسؤال المسئول، أو طلب إحاطة، أو بيان عاجل، أو استجواب أو سحب ثقة!
ومعهم رئيس الجمهورية يحثهم على أداء هذا الدور، ويتعهد بأنه لن يصمت أمام أى تجاوزات أو تراخ أو عدم قدرة على تحمل المسئولية. وثانى هذه المؤسسات هى وسائل الإعلام بأشكالها المتعددة، صحافة وفضائيات ومواقع إلكترونية، ووسائل الإعلام المصرية عليها أن تستعيد ثقة المصريين فى مصداقية رسائلها، بأن تكون شاملة وليست جزئية، تلتزم بالدقة دون تشويه أو تشهير، لغتها مهنية دون حدة أو ابتذال، لا تنتهك خصوصية المواطنين وتحترم القانون، مع العلم أن حرية الإعلام تُكْتسب بهذه السمات ولا تُمنح!. وهذا يقودنا إلى عبارات أخرى قالها الرئيس: «ليس لدينا شيء نخاف منه، فلتظهر الحقائق حتى يمكن علاج المشكلات والأزمات جذريا»!
العبارات موجهة إلى طرفين: المسئول، والإعلام!.. عبارات تعيد صياغة العلاقة بين السلطة التنفيذية والإعلام، وترفع الشعار الذى يتستر خلفه كثير من المسئولين «دارى على شمعتك تقيد»، وهو شعار لا يصلح فى أى عمل عام، فالشفافية هى دستور العلاقة بين الحكومة وشعبها، وكلما كشف الإعلام جوانب مشكلة أو أزمة فهو يحرض على حلها لا الاكتفاء بتخفيفها أو التعايش معها، فلا تظل قدرا مكتوبا عليهم، وحتى لو كان الحل صعبا لأسباب خاصة بالإمكانات المادية أو الفرص المتاحة ، فالإعلام وسيلة لإفهام الناس الواقع والبحث عن بدائل مبتكرة.
هذه العبارة تقودنا إلى عبارة حاكمة وهى «حماية الدولة لا تقوم على الأمن فقط وإنما على نشر الوعي»، عبارة فى غاية الدقة وتجسد خبرة التاريخ للدول والإمبراطوريات، من أول حضارة قدماء المصريين إلى الحضارة الغربية الحديثة، فحين يضعف وعى أى شعب، تقل كفاءة جهازه الأمنى فى حمايته، فالوعى هو «جهاز المناعة فى الوطن»، وكلما كان قَوِيَّ الوعي، تمكنت مناعة الوطن من الفتك بكل الفيروسات والجراثيم التى يطلقها أعداؤه عليه: شائعات، أكاذيب، لوى حقائق وبث سموم فكرية، سواء كانوا أعداء خارجين أو أعداء تحت الجلد مثل جماعة الإخوان، ونشطاء الطابور الخامس خدام المصالح الأجنبية! والوعى هو الإدراك الصحيح، أى فهم الذات والبيئة المباشرة والواقع المحيط والعالم من حولنا فهما صائبا، وهو يقوم على معلومات ومعارف حقيقية لها مصادر موثوق فيه لا تلجأ إلى الدعاية أو عمليات التجميل..
وهنا يلعب الإعلام الدور الأخطر، ولا يستطيع أن يلعبه دون ثقة جمهوره فيه، باعتباره معبرا عن مصالحهم وأحلامهم ومتاعبهم ومشكلاتهم، وأنه صوتهم بالدرجة الأولي، يحافظ عليهم وعلى أمن الوطن الذى يعيشون فيه، وليس إعلاما موجها.
وهذه شروط مهمة جدا، ليتمكن أيضا من منافسة شبكات التواصل الاجتماعي، التى حازت مساحة ليست قليلة من دور الإعلام، فتذيع وتنشر وتبث ما «تشاء» دون معايير أخلاقية أو قواعد مهنية أو قيم حاكمة، فصنعت «نوعا من الفوضى المعلوماتية»، لا يمكن صدها وتحجيمها إلا بإعلام حر شديد المهنية والصدق. بالطبع يلعب التعليم دورا ودور العبادة ومراكز الشباب والمكتبات العامة، لكنها أدوار محدودة نسبيا، بسبب طبيعتها القائمة على الوعظ والإرشاد والنصح، التى لا ميل إليها أغلب الناس. كان حديث الرسائل محملا برسائل خطيرة، خريطة طريق للتخلص من القصور والتراخي، ويرتفع الأداء العام إلى مستوى التحديات التى تواجه الوطن.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية