تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > نبيل عمر > العقد النفسية التى تحكم اتفاق وقف الحرب!

العقد النفسية التى تحكم اتفاق وقف الحرب!

سؤال له نصل سيف مقاتل ساموراي مغروس في عقل العالم الآن: ما الذي يمنع الولايات المتحدة وإيران من الوصول إلى اتفاق متماسك ومقنع، يوقف هذه الحرب التي أسقطت العالم في هاوية اقتصادية عميقة لن يخرج منها سريعا؟

بالطبع إسرائيل واللوبي الصهيوني في واشنطن ضد أي اتفاق سلام، وسيعملان على تقويضه، أملا في تفكيك دولة إيران باستنزافها في قتال طويل غير متكافئ، وليس مجرد التخلص من النظام الحاكم، كجزء من إعادة تشكيل الشرق الأوسط حسب الرؤية الإسرائيلية!

لكن لو فرضنا مثلا أن المعجزة وقعت، وأن الطرفين الأمريكي والإيراني توصلا إلى اتفاق، وفرضته أمريكا على إسرائيل، ولم يبق إلا التوقيع عليه وإعلانه، ما الذي تحمله الأيام  لهذا الاتفاق؟  

أتصور أن أول صعوبة ستواجه هذا الاتفاق ليس نصوصه، عن البرنامج النووي والصواريخ الباليستية والدور الإقليمي والعقوبات المفروضة على إيران وضمان عدم تكرار الاعتداء الأمريكي الإسرائيلي عليها..إلخ، وكلها قضايا شائكة وفي غاية التعقيد،  لكن لو تمكن الطرفان – أمريكا وإسرائيل في جانب وإيران في الجانب الآخر- من القفز فوق هذه الحواجز الصعبة إلى صيغة توافقية، سيظل المناخ النفسي متوترا، فالعلاقة بينهما ليست مجرد خلاف عابر، بل تاريخ طويل من الشكوك المتراكمة، وفي هذا المناخ لن تفسر الأفعال بحسن نية، بل سيفترض دوما سوء النية حسب التجارب السابقة بينهما، فأي تأخير بسيط في تنفيذ أي بند أو غموض في نشاط تقني إيراني، قد يتحول إلى أزمة، حتى لو لم تكن كذلك في أرض الواقع.

ومع مرور الوقت، ستظهر مشكلة تتعلق باللغة نفسها التي كُتب بها الاتفاق، فالمصطلحات القانونية بالرغم من دقتها الظاهرية، ستظل قابلة للتأويل، لأنها تُستخدم في بيئة مشحونة،  مفهوم «الدفاع المشروع» مثلا، قد يبدو واضحًا في القانون الدولي، لكنه في التطبيق العملي يتحول إلى مساحة رمادية واسعة؛ إذ يمكن لطرف أن يرى في تحرك معين تهديدًا يستوجب الرد الوقائي، بينما يراه الطرف الآخر عدوانًا صريحًا، هنا لن ينحصر الخلاف حول الوقائع فقط، بل حول تفسيرها، وهو ما يجعل كل طرف مقتنعًا بأنه ملتزم ويتهم الآخر بخرق الاتفاق.

ثم نأتي إلى عنصر أكثر تعقيدا كامن في طبيعة الحروب الحديثة التي لم تعد مقصورة على الجيوش النظامية، فلو التزمت الدول رسميًا، تبقى مسألة «الفاعلين غير المباشرين» مصدر قلق دائم، أي هجوم قد يصدر عن جهة غير حكومية يمكن أن يضع الاتفاق تحت ضغط فوري، لأن تحديد المسئولية في هذه الحالات ليس سهلًا ولا سريعًا، إذ تحتاج آليات التحقيق إلى وقت وإجراءات، قد لا تستجيب لها الضغوط السياسية والعسكرية التي تدفع الموقف إلى رد عاجل، مما يخلق فجوة خطيرة بين الحاجة إلى التحقق والإلحاح على الرد.

والفاعلون غير المباشرين ليسوا حكرا على إيران وحدها، وإن كان حضورهم في شكل ميليشيات مسلحة أو جماعات مرتبطة بها أوضح وأكثر تداولا، لكن في المقابل لدى الولايات المتحدة وإسرائيل أدوات غير رسمية: شركات أمن تؤدي أدوارا عسكرية، شبكات مخابرات، مجموعات سيبرانية، جماعات محلية لها ارتباطات بواشنطن وتُستخدم كأدوات ضغط.

في هذا السياق، يكفي أحيانًا حدث واحد غير محسوب لتقويض كل ما بُني، ضربة صاروخية خاطئة، عملية اغتيال غامضة، أو حتى خطأ تقني يؤدي إلى إسقاط طائرة، كلها سيناريوهات يمكن أن تشعل سلسلة من ردود الفعل المتسارعة، نعم ليست المشكلة في الحدث نفسه، بل في البيئة التي تستقبله؛ بيئة مشحونة لا تمنح الوقت الكافي للتحقيق الهادئ، بل تميل إلى التصعيد السريع تحت ضغط الرأي العام والمؤسسات الأمنية.

ولا يمكن فصل ذلك عن الديناميكيات الداخلية لكل دولة، فصانع القرار لا يتحرك في فراغ، بل تحت تأثير قوى سياسية وإعلامية وأمنية قد ترى في الاتفاق تنازلًا غير مقبول، وأي حادث حتى لو كان محدودا، قد يستخدم دليلا على فشل الاتفاق، مما يدفع الحكومات إلى مواقف متشددة للحفاظ على شرعيتها، وإذا تغيرت الحكومات أو موازين القوى الداخلية، قد يتغير الالتزام بالاتفاق نفسه، بسبب تبدل الإرادة السياسية التي تقف خلفه. يبقى الملف الأكثر حساسية هو الجانب النووي، حيث لا يمكن لأي نظام رقابي أن يحقق يقينًا مطلقًا، ومجرد الشك في نشاط غير معلن قد يكون كافيًا لإعادة إشعال التوتر، لأن تكلفة الانتظار حتى التأكد قد تُعتبر مخاطرة غير مقبولة، من وجهة نظر بعض الأطراف الضاغطة.

وفي الخلفية، هناك دائمًا احتمال تدخل أطراف لا مصلحة لها في نجاح الاتفاق، قد تكون خارج الدائرة الرسمية، لكنها قادرة على التأثير فيه من خلال أفعال محسوبة تهدف إلى إفشاله، وتتحين الفرص لإعادة الأطراف الرئيسية إلى مربع التصعيد.

كل ذلك يتقاطع مع مسألة تنفيذ الجزاءات، التي تعتمد بدورها على توافق دولي ليس مضمونًا دائمًا، فإذا لم تُطبق العقوبات عند الخرق، وإسرائيل وأمريكا لهما تاريخ حافل في خرق الاتفاقات في منطقة الشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية، يفقد الاتفاق جزءًا كبيرًا من قوته الرادعة، ويتحول إلى التزام أخلاقي أكثر منه قانوني، وعندها قد يشعر أي طرف بأن تكلفة الخرق منخفضة، فيصبح الالتزام موضع شك!

بالرغم من هذا ليس مستحيلا نجاح الاتفاق، لكنه يتطلب إدارة دقيقة ومستمرة، ومجرد التوقيع  لن يصنع حلا سحريا ينهي الصراع، وإما هو يؤسس إطارا يقلل من احتمالات الانفجار مجددا إذا تعاملت الأطراف معه بجدية، أما إذا تُرك ليعمل وحده، فالأرجح أنه سيتآكل تدريجيًا تحت ضغط الواقع وحلم إسرائيل وسعيها إلى السيطرة على الشرق الأوسط!

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية