تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
جـواسيس الظــل
«من لا يستطيع قراءة التاريخ محكوم عليه بتكراره».. مقولة تختصر قرونًا من التجارب الإنسانية، فالتاريخ لا يكرر نفسه حرفيًا، لكنه يعيد إنتاج أدوات السيطرة بأقنعة جديدة وصيغة أكثر ذكاءً. وما يبدو اليوم تطورًا تقنيًا بريئًا، قد يكون فى حقيقته امتدادًا لصراعات قديمة هدفها النفوذ وإخضاع المجتمعات عبر ما تُدمنه.
قبل أكثر من قرن، كانت السفن العابرة من حدود الإمبراطورية البريطانية إلى الصين لا تحمل مجرد بضائع بل سلاحًا فتاكًا.. استخدمت بريطانيا وقتها «الأفيون» لإخضاع الصين اقتصاديا، فاندلعت حرب الأفيون عام 1840، وتحول الإدمان إلى أداة هيمنة كادت تدمر مجتمعًا بأكمله دون احتلال مباشر.
اليوم، تغيّرت الأدوات لا الغايات؛ فلم يعد «أفيون العصر» يُنقل عبر السفن، بل يتسلل عبر الشاشات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي، أصبحنا أمام نمط جديد من تهديد المجتمعات، تُدار فيه محاولات السيطرة عبر «جواسيس الظل» - العدو الخفى خلف الشاشات-: منصات تواصل اجتماعى، خوارزميات، تقنيات بيولوجية متقدمة، ووكلاء اصطناعيين يجمعون البيانات، يوجهون ويتحكمون فى سلوك المستخدم، ويعيدون تشكيل الوعي، خاصة وعى الأطفال.
هكذا يتحول التهديد إلى معركة ، أطماعها السيطرة على العقل قبل الأرض، وعلى الوعى قبل الحدود.
الإدمان الرقمى ظاهرة عالمية لا يستهان بها، فأحدث الدراسات تشير إلى أن أكثر من 80٪ من الأطفال فى بعض بلداننا العربية لايتركون هواتفهم يوميا، والإحصاءات العالمية صادمة: حوالى 52٪ من الأطفال (8-12 سنة) يمتلكون هواتف ذكية، ويقضون من 4 إلى 6 ساعات يوميًا أمام الشاشات، ويعترف ما يقرب من 25٪ من الأطفال بشعورهم أنهم مدمنون للأجهزة الرقمية، ويستخدم حوالى 66٪ من المراهقين شبكات التواصل الاجتماعى عدة مرات يوميًا، وتشير الإحصائيات الصادمة إلى أن الطفل العادى يفتح جهازه الرقمى نحو 80 مرة يوميًا، مما يفسح الطريق أمامه للوصول إلى العزلة والاكتئاب!.
من هنا، تأتى أهمية توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال الاحتفال الرابع والسبعين بعيد الشرطة؛ لتعكس فهمًا استراتيجيًا عميقًا للتحديات الرقمية وتحركًا استباقيًا، حيث شدد الرئيس على أن حماية وعى النشء ليست رفاهية، بل خط الدفاع الأول عن الأمن القومي، وأن ضبط استخدام التكنولوجيا للأطفال لم يعد مسألة اجتماعية فقط، بل ضرورة استراتيجية، من خلال التشريعات، والبرامج التوعوية لضبط استخدام التكنولوجيا، والاستفادة من تجربة أستراليا والصين فى تقييد استخدام وإدمان الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعى.
الفضاء الرقمى بلا حراسة صار قنبلة وعى موقوتة، والأسر أصبحت مهددة من إفراط الأطفال فى استخدام الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، وإصابة البعض بأعراض الاكتئاب والعنف، ولا يمكن أيضا تجاهل خطر التقنيات البيولوجية المتقدمة مثل - الرحم الاصطناعى -، والتى تمثل تهديدات للإنسانية بأسرها، فهذه التكنولوجيا قادرة على إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان وطبيعة وجوده، والتدخل فى التكوين البشرى نفسه، ويحول الجنين إلى سلعة تكنولوجية، ما يجعل تعزيز الوعى والقدرة على فهم هذه التقنيات والتأقلم المشروط معها بقوانين وحوكمة أخلاقية صارمة ضرورة.
إن هذه المخاطر تتطلب تضافر كل الجهات الفاعلة، حتى يستطيع الأطفال فهم طبيعة التقنيات، والمحتوى الرقمى الذى يتعرضون له، لتصبح لديهم القدرة على الحكم الذاتى والاختيار الواعى.
لذا تبقى الأسرة خط الدفاع الأول، وعليها متابعة سلوك أبنائها، وتوجيههم نحو الاستخدام المسئول للتكنولوجيا، وإكسابهم مهارات إدارة الوقت الرقمي. والمدارس، من جانبها، يجب أن تُدرج مناهج تعليمية تُعزز التفكير النقدي، والوعى الأخلاقي، والقدرة على التمييز بين المحتوى الجيد والسيئ، ووضع برامج مستمرة لتعليم الأطفال حماية أنفسهم من الإدمان الرقمى ما يؤسس جيلًا قادرًا على التعامل بوعى مع الذكاء الاصطناعى والفضاء الرقمى.
التحول من حروب الأفيون التقليدية إلى أفيون الرقمنة والذكاء الاصطناعى واقع يفرض نفسه على العالم، والمستقبل لا يُصنع بالصدفة، لذا فإن حماية المجتمعات تتطلب منهجًا متكاملًا يجمع بين التشريع، التعليم، الأسرة، التكنولوجيا الواعية، والرقابة الأخلاقية، بحيث تُصبح التكنولوجيا خادمة للإنسان، لا وسيلة للسيطرة عليه، ونكون أكثر وعيًا ويقظة فى مواجهة «جواسيس الظل».
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية