تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > مصطفى البلك > لعبة وقلبت بجد.. الدراما وتأثيرها على الأطفال والأسرة

لعبة وقلبت بجد.. الدراما وتأثيرها على الأطفال والأسرة

الدراما ضيف غير معلن يدخل بيوتنا ويترك أثره في وجداننا أحيانًا أكثر من أي لقاء أو حوار أو ندوة، خاصة في زمن فقدت فيه هذه الوسائل التقليدية تأثيرها.

من هنا جاء التأثير الكبير لمسلسل "لعبة وقلبت بجد"، الذي استطاع أن يعكس واقع البيت المصري في ظل تحديات العصر الحديث، بدءًا من التفكك الأسري والانشغال المتزايد بأعباء الحياة اليومية، مرورًا بتأثير وسائل التواصل الاجتماعي والالعاب الاليكترونية ، وتحديدًا تيك توك ، الذي أصبح مصدر دخل للعديد من الأسر والأفراد، وانتهاءً بالمشاكل الأسرية المتنوعة مثل غياب الحوار بين الأبناء والآباء، تضارب الأجيال، مشكلات الزواج المبكر، ضغوط العمل المالية، والانعزال العاطفي داخل المنزل.

كل هذه القضايا جسّدتها أحداث المسلسل بطريقة درامية واقعية، جعلته مرآة صادقة تعكس حياة الأسر المصرية والعربية وتعقيداتها.

الدراما ليست مجرد وسيلة للترفيه أو تسلية المشاهد، بل هي قوة مجتمعية قادرة على تشكيل الوعي وتغيير السلوك وفتح ملفات حساسة في المجتمع، فهي تعكس الواقع بكل تفاصيله وتسلط الضوء على جوانب غالبًا ما تبقى مخفية وراء الصور المثالية أو الانشغال اليومي. مسلسل لعبة وقلبت بجد جاء ليؤكد هذا الدور المؤثر للدراما، فهو لم يكتفِ بسرد قصة مشوقة، بل جسد صراعات حقيقية يعيشها المجتمع المصري المعاصر، وعكس التحديات النفسية والاجتماعية التي تواجه الأسرة والأطفال في عالم سريع التغير، حيث تتداخل الضغوط الرقمية والاجتماعية بشكل متزايد مع حياة الأفراد.

العمل نجح في أن يكون أكثر من مجرد مسلسل تلفزيوني، فقد سلط الضوء على الألعاب الإلكترونية المفتوحة، التي قد تبدو بريئة للوهلة الأولى، لكنها تحمل مخاطر نفسية واجتماعية حقيقية للأطفال والمراهقين. من خلال عرض لعبة روبلوكس ضمن أحداثه، أبرز المسلسل كيف يمكن لعالم رقمي مفتوح أن يتحول من وسيلة للمرح إلى بيئة محفوفة بالمخاطر، وكيف يمكن لانشغال الأسرة أو استغلال منصات التواصل أن يؤثر على توازن حياة الأطفال وسلوكهم الاجتماعي.

أثر مسلسل لعبة وقلبت بجد تجاوز حدود الشاشة، فقد لفت الانتباه إلى هذه المخاطر بشكل واضح وأسهم في تحريك الجهات المختصة، حيث جاء قرار حجب لعبة روبلوكس في مصر بعد عرض 19 حلقة من المسلسل ليكون دليلًا عمليًا على قدرة الدراما الهادفة على التأثير في صناع القرار وتحفيز المجتمع على اتخاذ خطوات حماية واقعية للأطفال. بهذا، لم يعد العمل مجرد قصة درامية، بل تحول إلى رسالة مجتمعية قوية، وصرخة تحذير توجه إلى الأسر والأطفال على حد سواء، لتسليط الضوء على أهمية الوعي الرقمي وأثره المباشر على السلامة النفسية والاجتماعية.

مسلسل لعبة وقلبت بجد اختير بعناية ليعكس صراعات المجتمع المعاصر ويظهر كيف يمكن للعلاقات داخل الأسرة وبين الأفراد أن تتأثر بعوامل الحياة الحديثة، سواء من خلال الانشغال بالعمل، أو استخدام منصات التواصل الاجتماعي لتحقيق مكاسب شخصية، أو التعرض لمغريات العالم الرقمي المفتوح. وقد قدم المسلسل هذه القضايا بأسلوب درامي مشوق يجعل المشاهد مرتبطًا بالأحداث ويشعر بالواقع المعروض، ما عزز من تأثيره الاجتماعي وجعله نموذجًا للدراما الهادفة التي لا تقتصر على الترفيه، بل تصنع وعيًا وتفتح حوارًا مجتمعيًا ضروريًا.

المسلسل تناول قضية حساسة تتعلق بالعالم الرقمي ولعبة روبلوكس، التي أثبتت الأحداث أنها أكثر من مجرد ترفيه للأطفال، فهي مساحة مفتوحة يمكن أن تتحول إلى بيئة محفوفة بالمخاطر النفسية والاجتماعية. وقد جاء عرض اللعبة في الأحداث ليكون محورًا توعويًا يوضح كيف يمكن لعالم يبدو بريئًا أن يشكل تهديدًا على السلامة النفسية للأطفال، وهو ما دفع الأسر والمشاهدين إلى إدراك حجم المخاطر قبل أن تتخذ الجهات الرسمية قرار حجب اللعبة في مصر بعد عرض 19 حلقة من المسلسل، فيما كانت المناقشات في مجلس الشيوخ قد بدأت تقريبًا بعد الحلقة الثالثة، مما يعكس قدرة الدراما على فتح ملفات حساسة على مستوى الدولة.

إضافة إلى ذلك، ركز العمل على العلاقات الأسرية، فقد عرض نموذج الأسرة المصرية التي تنشغل عن أبنائها، سواء بانشغال الأب بأعماله أو الأم بمشاريعها أو منصات التواصل الاجتماعي، وما يترتب على ذلك من انعكاسات سلوكية ونفسية على الأطفال. كما تناول المسلسل ظاهرة استخدام البعض للسوشيال ميديا لتحقيق أرباح على حساب الأسرة، ما جعل المشاهدين مرتبطين بالأحداث ويشعرون بواقعية المواقف المعروضة.

تميز مسلسل "لعبة وقلبت بجد" بقدرة فريق العمل على تقديم أداء طبيعي وواقعي، وكان لأداء الأطفال دور بارز في ذلك، حيث شكلوا قلب الحبكة الدرامية وأسهموا في دفع الأحداث بشكل فعال. وشارك في هذا الحضور اللافت منى أحمد زاهر، عمر شريف، يوسف صلاح، وريمون توفيق، الذين قدموا أدوارهم بطريقة صادقة ومؤثرة، ما جعل المشاهد يتفاعل مع الأحداث ويشعر بصدق المواقف المعروضة، وأكسب المسلسل مصداقية إضافية، وجعل الرسائل الاجتماعية والتربوية تصل للجمهور بفاعلية.

ولعب المخرج حاتم متولي دورًا محوريًا في توجيه كل من الأطفال والممثلين الكبار لضمان تقديم المعاني بطريقة مفهومة ومتوازنة دون مبالغة، ما عزز من مصداقية الأحداث وأثرها الاجتماعي.

أما على صعيد النجوم الكبار، فقد تألق الصديق العزيز الفنان الكبير أحمد زاهر في دور البطولة، مقدّمًا أداءً متميزًا يمزج بين العمق والواقعية. ويضم العمل أيضًا مجموعة بارزة من الفنانين، منهم ريام كفارنة السورية في تجربتها الدرامية الثانية في مصر بعد مسلسل "صلة رحم"، إلى جانب رحمة أحمد، دينا المصري، حنان سليمان، وعمر الشناوي وغيرهم من نجوم كانت لهم بصمه في الاحداث ،و الذين أسهم كل منهم في إثراء العمل وإضفاء جاذبية على الأحداث.
ذكاء الإنتاج كان واضحًا في اختيار المسلسل نفسه وتصميمه ليجمع بين القيمة الفنية والجاذبية التجارية. أحمد فايق المشرف على الإنتاج أبدى براعة في إدارة العمل ووضع استراتيجيات التسويق منذ مرحلة التحضير، كما استقدمت الشركة المتحدة ممثلة كويتية ابنة الفنان الكبير الراحل يوسف شعبان لضمان الانتشار الخليجي، وممثلة تونسية واخري سورية لتوسيع قاعدة الجمهور في السوق العربي والمسلسل اظن سيعرض قريبا علي دبي ، وقد أثبتت هذه الاستراتيجية نجاحها في تحقيق الانتشار على المستويين المحلي والإقليمي، ما يعكس رؤية واضحة واحترافية في إدارة الأعمال الدرامية.

أثر المسلسل على المجتمع كان ملموسًا، فقد ساهم في فتح نقاشات واسعة حول الألعاب الرقمية والسلوكيات الأسرية وعلاقتهما بالسلامة النفسية للأطفال. وقد ساعد هذا التناول الواقعي للدراما على أن يصبح القرار الرسمي بحجب لعبة روبلوكس خطوة مدروسة ومنطقية، مدعومة بالوعي المجتمعي ومؤسسات الدولة المختلفة، وعلى رأسها وزارة التربية والتعليم ومجلس الشيوخ الذي ناقش تأثير اللعبة على الأطفال والمجلس الاعلي لتنظيم الاعلام الذي اتخذ قرارا بوقف اللعبة بالاشتراك مع وزارة الاتصالات.

ما يميز مسلسل لعبة وقلبت بجد أنه لا يقدم الشخصيات على أنها خيرة أو شريرة بشكل مطلق، بل يصورها رمادية، تعيش صراعاً داخلياً بين ما يجب أن تفعله وبين ما تضطر لفعله للنجاة. شخصيات العمل تتراوح بين من يحركهم هوس السيطرة، ومن يحاول الحفاظ على مبادئه رغم الضغوط، إلى الشخصيات النفعية التي ترى في كل أزمة فرصة لتعزيز موقعها. هذه الدراسة النفسية والاجتماعية للشخصيات جعلت المشاهد يشعر بارتباط حقيقي بما يحدث على الشاشة، حيث رأى أجزاء من مخاوفه ومواقفه تتجسد أمامه.

في الخلاصة، مسلسل لعبة وقلبت بجد يثبت أن الدراما ليست مجرد حكايات قبل النوم، بل أداة قوية للتحليل النفسي والاجتماعي. الأحداث كشفت أن الصراع الحقيقي لم يكن بين الأشخاص بقدر ما كان بين الإنسان وضميره، وبين صورته المثالية أمام المجتمع وحقيقته العارية خلف الأبواب المغلقة. الدرس الأكبر هو أن اللعب بالقيم والمبادئ لا يمر دون ثمن؛ فبمجرد التضحية بالصدق والوفاء بالمبادئ للنجاة أو لتحقيق مكاسب مؤقتة، يفقد الإنسان جزءًا من ذاته، حتى وإن ربح الجولة.

وهنا أكرر .. يستحق أحمد فايق المشرف على الإنتاج كل الثناء على فكرته الاستراتيجية في اختيار النص والتسويق والعمل على إنتاج مسلسل هادف يحقق أهدافًا اجتماعية وتربوية. كما يجب الإشادة بالشركة المتحدة لإنتاجها هذا العمل المتميز، والدعم الكبير الذي تلقاه المسلسل من مؤسسات الدولة المختلفة، مما جعل العمل ليس مجرد مسلسل ناجح من حيث نسب المشاهدة، بل تجربة مجتمعية أثرت فعليًا في الوعي الجمعي وأدت إلى اتخاذ قرار رسمي بحماية الأطفال والمراهقين من المخاطر الرقمية.

رحلت الشخصيات وقاربت الحلقات علي الانتهاء ، لكن السؤال يبقى معلقًا في ذهن كل مشاهد: إذا وضعتك الحياة في اختبار مماثل، هل ستظل على قيمك أم ستقلب اللعبة حياتك بجد؟ الفن العظيم هو الذي يبدأ أثره الحقيقي بعد أن تُغلق شاشة التلفاز، ومسلسل لعبة وقلبت بجد نجح في أن يكون صرخة تحذير ومختبر اجتماعي في آن واحد.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية