تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
لا تفهمونا غلط
السوشيال ميديا باب إعلانات المشاهير وفخ المنتجات المغشوشة.. من يحمي المستهلك؟
لم تعد جرائم الغش التجاري مقتصرة على الأسواق التقليدية أو الباعة المجهولين في الأزقة الخلفية، بل انتقلت في السنوات الأخيرة إلى فضاء أكثر اتساعاً وتأثيراً هو فضاء السوشيال ميديا، حيث تُباع السلع كما تُباع الأفكار، ويُسوَّق الوهم في صورة فيديو جذاب أو بث مباشر، مستفيداً من ثقة الناس في الوجوه المعروفة وسرعة الانتشار وغياب الرقابة الفعلية. تحولت المنصات الرقمية إلى سوق مفتوحة بلا أسوار، يدخلها المستهلك مطمئناً، ويخرج منها في كثير من الأحيان ضحية لعملية نصب مكتملة الأركان.
واقعة السيدة التي اشترت زبدة على أساس أنها زبدة بلدي، لتكتشف لاحقاً أنها بطاطس مغطاة بطبقة خارجية من الزبدة، ليست مجرد قصة صادمة أو مثال طريف على براعة الغش، بل كاشفة لحجم الاستغلال الذي يتعرض له المواطن يومياً. هذه الحادثة تلخص كيف يتم اللعب على الحواس، واستغلال ضعف الخبرة لدى المستهلك، وتقديم منتج مغشوش في عبوة جذابة وكلمات مطمئنة، لتتحول الحاجة إلى الغذاء الآمن إلى فخ محكم.
وهنا لابد أن أذكر موقفًا كنت شاهدًا عليه يكشف بوضوح كيف يمكن أن يسقط القناع عن بعض الوجوه اللامعة في عالم الإعلانات، حين تتوارى القيم أمام سطوة المصالح. فقد كانت إحدى نجمات برامج الطهي الشهيرات تروج بحماسة لما يسمى «الزبدة والسمن البلدي». بدافع الحرص والمسؤولية، تواصلت معها شخصيًا للاستفسار عن جودة المنتج، فجاء ردها صادمًا؛ إذ أقرت صراحة بأن العبوة التي وصلت إليها كعينة إعلانية كانت ممتازة، لكنها تعلم علم اليقين أن المنتج المطروح في الأسواق مغشوش، وغير مطابق لما تروج له، وأن شكاوى المستهلكين تجاوزت الحد. ورغم هذه المعرفة، استمرت في الظهور الإعلاني وبث الوعود الكاذبة لجمهورها، وكأن الحقيقة لا تعنيها.
الأخطر في هذه الظاهرة ليس المنتج المغشوش وحده، بل منظومة الترويج التي تقف خلفه. فبعض نجوم برامج الطبخ ومشاهير السوشيال ميديا، ممن يفترض أنهم مرجعيات للثقة والخبرة، باتوا أدوات مباشرة في تسويق هذه السلع دون أدنى تحرٍ عن مصدرها أو مكوناتها. الإعلان المدفوع أصبح عند البعض أهم من الضمير المهني، والتجربة أمام الكاميرا تحولت إلى عرض مسرحي لا يعكس حقيقة ما يصل إلى يد المستهلك. وهنا لا يمكن الحديث عن سذاجة أو جهل، بل عن مشاركة واعية في تضليل الجمهور مقابل مكاسب مادية.
وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً محورياً في نجاح هذه العمليات الاحتيالية، حيث يتم استغلال خوارزميات الانتشار، وفكرة التريند، والضغط النفسي عبر العروض المحدودة والخصومات الخيالية، لإجبار المستهلك على اتخاذ قرار شراء سريع دون تفكير أو مقارنة. الأسعار غير المنطقية تُقدَّم باعتبارها فرصة لا تُعوض، بينما هي في الحقيقة أول دليل على الغش. فكيف يمكن لمنتج غذائي يوصف بأنه طبيعي أو بلدي أن يُباع بأقل من تكلفة إنتاجه.
تداعيات هذا الغش لا تقف عند حدود الخسارة المادية، بل تمتد إلى تهديد مباشر للصحة العامة. منتجات غذائية مجهولة المصدر، وأجبان وسمن وزيوت غير مطابقة للمواصفات، ومواد تنظيف مغشوشة، تدخل البيوت يومياً وتُستخدم دون معرفة حقيقية بمكوناتها. الضرر هنا قد يكون بطيئاً وتراكمياً، لكنه بالغ الخطورة، خاصة على الأطفال وكبار السن، ما يحول الغش التجاري إلى قضية صحة عامة لا تقل خطورة عن أي وباء صامت.
في هذا السياق يبرز دور الأجهزة الرقابية كخط دفاع أساسي أمام هذا النوع الجديد من النصب. فحماية المستهلك لم تعد تقتصر على المرور على المحال والأسواق، بل يجب أن تمتد بقوة إلى الفضاء الرقمي. الصفحات التي تبيع دون سجل تجاري، أو تعرض منتجات بلا بيانات واضحة، أو تروج لسلع غذائية دون ترخيص، يجب أن تكون تحت رقابة صارمة، مع آليات سريعة للإبلاغ والتحرك. كما أن تتبع الإعلانات الممولة ومحاسبة من يروج لها دون الالتزام بالضوابط القانونية بات ضرورة لا تحتمل التأجيل.
جهاز حماية المستهلك وهيئات سلامة الغذاء تقع على عاتقها مسؤولية أكبر في التوعية قبل العقاب، وفي الوصول إلى المواطن بلغة بسيطة وواضحة، تشرح له حقوقه وطرق الإبلاغ، وتؤكد أن الشكوى ليست عبئاً بل حقاً وواجباً. وفي الوقت نفسه يجب أن تكون العقوبات رادعة ومعلنة، حتى لا يتحول الغش إلى نشاط منخفض المخاطر مرتفع الأرباح.
لكن الرقابة وحدها لا تكفي إذا لم يصاحبها وعي مجتمعي. فالمستهلك هو الحلقة الأهم في هذه السلسلة، وصمته أو استسلامه يغذي استمرار الظاهرة. التحقق من بيانات المنتج، وعدم الانسياق خلف الشهرة أو عدد المتابعين، والمقارنة بين السعر والجودة، والإبلاغ عن أي تجربة غش، كلها خطوات بسيطة لكنها كفيلة بتجفيف منابع هذا الاستغلال.
كما أن على المؤثرين الحقيقيين والإعلام الجاد أن يلعبوا دوراً مضاداً، يكشف هذه الممارسات ويفضح أساليب الخداع، بدلاً من ترك الساحة لتجار الوهم. فالسوشيال ميديا التي تُستخدم اليوم في النصب يمكن أن تتحول إلى أداة فعالة للردع ونشر الوعي، إذا توافرت الإرادة والمسؤولية.
ما يحدث على منصات التواصل الاجتماعي لم يعد مجرد تجاوزات فردية أو حالات غش معزولة، بل أصبح جرس إنذار حقيقياً يفرض نفسه بقوة على المجتمع والدولة معاً. نحن أمام شكل حديث من الغش والاستغلال، أكثر ذكاءً وانتشاراً، يعتمد على الصورة والشهرة والثقة، ويستهدف المستهلك البسيط الذي يظن أن الإعلان الصادر عن فنان أو نجم برنامج طبخ أو شخصية معروفة هو ضمان للجودة والأمان. هذه الثقة التي بُنيت عبر سنوات من الحضور الإعلامي لا يجوز أن تتحول إلى أداة لاصطياد الضحايا وتحقيق مكاسب شخصية سريعة على حساب صحة الناس وأموالهم.
المسؤولية الأخلاقية هنا لا تقل أهمية عن المسؤولية القانونية. فالفنان أو الإعلامي أو مقدم برامج الطبخ الذي يروج لمنتج غذائي مغشوش دون تحقق، لا يمكنه الاحتماء خلف عبارة إعلان مدفوع أو عدم العلم. التأثير الذي يمتلكه هؤلاء على وعي الجمهور يجعلهم شركاء في الجريمة، حتى وإن لم يشاركوا في تصنيع المنتج نفسه. فالكلمة التي تُقال أمام الكاميرا قد تدفع أسرة كاملة لشراء سلعة ضارة، وقد تفتح باب أذى لا يمكن التراجع عنه.
من هنا تبرز ضرورة تدخل حاسم من الجهات المنظمة للعمل الإعلامي والفني. فالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مطالب بوضع ضوابط واضحة وصارمة تمنع الترويج لأي منتج غذائي أو استهلاكي عبر المنصات الإعلامية أو الحسابات المؤثرة دون مستندات رسمية وترخيص معتمد. كما أن دور نقابة الإعلاميين ونقابة الممثلين لا يجب أن يقتصر على الدفاع عن أعضائها، بل يمتد إلى محاسبة من يسيء استخدام شهرته ويضرب مصداقية المهنة في مقتل. فالمهنة التي لا تحاسب أبناءها تفقد احترام المجتمع وثقته.
ما يحدث اليوم يضع الجميع أمام اختبار حقيقي. إما أن نواجه هذا الشكل المستحدث من الغش بالوعي والمساءلة والرقابة الصارمة، أو نترك الساحة مفتوحة لتجار الوهم يواصلون نشاطهم بلا رادع، مستغلين كل ثغرة وكل اسم لامع وكل فيديو جذاب. ترك الأمور على حالها يعني تطبيع الغش، وتحويله إلى أمر معتاد، بل وربما مقبول، وهو أخطر ما يمكن أن نصل إليه.
المواجهة الحقيقية تبدأ حين يدرك الجميع أن صحة الناس ليست مادة للإعلان، وأن معاناة المواطن ليست فرصة للربح، وأن الثقة التي يمنحها الجمهور للفنان أو الإعلامي ليست سلعة تُباع في سوق الإعلانات. تبدأ حين تتحرك المؤسسات الرقابية بثقلها، وحين يُحاسَب المروج قبل التاجر، وحين يشعر المستهلك أن صوته مسموع وأن الإبلاغ ليس بلا جدوى.
أخيرا
وهنا يبرز السؤال المؤلم:
أين الأمانة المهنية التي تفرض صدق الكلمة أمام جمهور منح ثقته بلا تردد؟ وأين النزاهة الأخلاقية التي تحول دون التربح على حساب صحة الناس وجيوبهم؟ وأين الإحساس بالمسؤولية المجتمعية تجاه البسطاء الذين يصدقون ما يقال لهم عبر الشاشات؟ ثم أين الوفاء بالعهد غير المعلن بين “النجم” وجمهوره، ذلك الجمهور الذي صنع شهرته وكان سببًا في نجوميته ونجاحه؟
إن الترويج لمنتج يعلم المعلن زيفه ليس مجرد ممارسة تجارية أو «شغل إعلانات»، بل هو خيانة صريحة لثقة المشاهد، وسقوط أخلاقي لا يبرره مال ولا شهرة.
، فما نشهده ليس موجة غش عابرة سرعان ما تنحسر، بل نمط استغلال يتطور مع تطور الوسائل والتكنولوجيا. وإذا لم يتم التعامل معه بجدية وحسم، فإن البطاطس ستظل تتنكر في هيئة زبدة، والمنتج المغشوش سيجد دائماً من يجمّله ويقدمه في صورة براقة، بينما يدفع المجتمع كله الثمن صحةً وثقةً وأماناً.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية