تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
خوارزميات الموت.. الاعلام وإدارة الحروب في العصر الرقمي
تأتي الدورة العاشرة للمؤتمر العلمي لكلية الإعلام بالجامعة الحديثة المقرر انعقاده في ديسمبر القادم لتضع يدها على واحدة من أعقد القضايا المعاصرة: "الإعلام وإدارة الحروب في العصر الرقمي". إن اختيار هذا العنوان ليس مجرد مواكبة أكاديمية، بل هو استجابة استراتيجية للتحولات الجيوسياسية المتسارعة؛ فنحن نعيش زمناً لا تُحسم فيه المعارك في الميادين فقط، بل في فضاءات الشبكات التي أصبحت ساحات مفتوحة لتزييف الوعي وتوجيه الرأي العام عبر الذكاء الاصطناعي. وهنا تبرز الأهمية القصوى للمؤتمر الذي يسعى لتفكيك آليات هذه التحديات ووضع رؤية علمية لإدارة الأزمات إعلامياً. ولا يمكن إغفال الدور المحوري والرؤية الثاقبة للدكتور سامي الشريف، عميد كلية الإعلام، الذي عرف بقدرته الفائقة على استشراف المستقبل ومواكبة التطورات المهنية، مؤكداً أن إدارة الحروب اليوم تتطلب السيطرة على مسار الأزمة ومنع الفوضى المعلوماتية التي قد تكون أشد فتكاً من الرصاص.
في قلب هذه التحولات، يبرز الذكاء الاصطناعي كأخطر سلاح إعلامي حديث، متجاوزاً كونه مجرد "مساعد تقني" ليدخل في صلب التضليل الممنهج. ولعل ما نتابعه في مثلث التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران يقدم نماذج صارخة؛ حيث انتشرت فيديوهات "تزييف عميق" تظهر عمليات عسكرية وهمية بمستوى واقعية يخدع العين غير المتمرسة، مثل مقاطع استيلاء الحرس الثوري على حاملة طائرات أمريكية. إن هذه المواد لا تستهدف نشر الكذب فحسب، بل تسعى لضرب الروح المعنوية وتوجيه الرأي العام نحو تصورات تخدم أطرافاً بعينها، فضلاً عن توليد صور لانفجارات أو مجازر وهمية لإحداث هلع شعبي واستدراج ردود فعل عسكرية متسرعة. لقد أصبحت حروب الجيل الخامس واقعاً يستهدف الجبهات الداخلية عبر التضليل النفسي وتوظيف المنصات لتأجيج الاحتجاجات أو ضرب العملات الوطنية بتقارير اقتصادية مفبركة.
إن هذه التحديات تفرض علينا في مصر ضرورة تحويل مخرجات هذا المؤتمر إلى سياسات تطبيقية؛ فالدراسات التي تُناقش في الجامعة الحديثة يجب أن تكون مرجعاً للمؤسسات الصحفية لتدريب كوادرها على "صحافة البيانات" والتحقق من المحتوى عبر أدوات كشف التزييف الذكي. إن مؤسساتنا الإعلامية في أمس الحاجة لتبني استراتيجيات تضمن سرعة الاستجابة وتفنيد الشائعات فور حدوثها، فالمواجهة الرقمية تتطلب أدوات رصد وتحليل ذكي للرأي العام. كما أن الدولة المصرية، في مسيرتها نحو التحول الرقمي، تحتاج لتعزيز "الأمن الإعلامي" كجزء أصيل من الأمن القومي، وهو ما لن يتحقق إلا بجسر الهوة بين التنظير الأكاديمي والممارسة المهنية.
يتزامن توقيت المؤتمر مع أحداث إقليمية تفرض إعادة النظر في أدواتنا التقليدية والتحول نحو "إعلام رقمي ذكي" يمتلك القدرة على المبادرة. وهذا ما يجسده نهج الكلية بجعل مؤتمرها منصة دولية تجمع بين الخبرة والتنظير الرصين؛ فالإشادة هنا ليست بالموضوع فحسب، بل بالاستمرارية في تقديم محتوى يلامس الواقع ويضع حلولاً لمستقبل أكثر أماناً وانضباطاً. نحن أمام حدث يعيد الاعتبار لدور الكلمة والصورة في حسم المعارك، ويؤكد أن الإعلام القوي هو الذي يدير الأزمة قبل وقوعها بحس وطني رفيع، مما يجعل المؤتمر حجر زاوية في تطوير الخطاب الإعلامي العربي ليصبح أكثر تأثيراً في الساحة الدولية المزدحمة بالصراعات الرقمية.
إن الاستفادة من هذه الأبحاث تعني بناء حوائط صد ضد محاولات اختراق العقول؛ فالعصر الرقمي لا يرحم المتأخرين، والمؤسسات التي لن تطور أدواتها ستجد نفسها خارج سياق التأثير. لذا، فإن دعوة الباحثين للتفاعل مع محاور المؤتمر هي دعوة لتأمين مستقبلنا في عالم يموج بالاضطرابات ويعتمد بشكل متزايد على الخوارزميات في توجيه الشعوب.
ختاماً، يبقى هذا المؤتمر جرس إنذار ومنصة انطلاق؛ يذكرنا بأن الكلمة أصبحت رصاصة والصورة جبهة قتال، وأن النجاح يعتمد على دمج العلم بالتقنية والوعي بالمسؤولية. إن مخرجات هذا المحفل يجب أن تتحول لبرامج تأهيل لجيل من "المقاتلين الرقميين" المدافعين عن الحقيقة، فالمستقبل ينتمي لمن يمتلك ناصية التكنولوجيا ويوظفها لحماية الأوطان، وما هذا المؤتمر إلا خطوة رائدة نحو إعلام عربي مستنير وقادر على الصمود.
في النهاية لا يسعني إلا أن أتوقف طويلاً أمام صياغة عنوان هذا المؤتمر: "الإعلام وإدارة الحروب والأزمات في العصر الرقمي"؛ فهو ليس مجرد جملة أكاديمية منمقة، بل هو توصيف دقيق للمرحلة الراهنة التي نعيشها. إن الأهمية الحيوية لهذا العنوان هي ما جعلتني أتأمل بعمق في دلالاته؛ فهو يأتي في توقيت استثنائي تموج فيه المنطقة والعالم بصراعات "لامركزية" تُستخدم فيها الخوارزميات كجنود خفيين لتفتيت الوعي.
إن إعلامنا العربي والمحلي اليوم في أمسّ الحاجة للتخلي عن الأدوات التقليدية والارتقاء إلى مستوى "الإعلام الذكي" الذي يستند إلى الأبحاث والدراسات العلمية الرصينة التي تقدمها مثل هذه المحافل. فالمؤتمرات العلمية -وهذا المؤتمر بصفة خاصة- هي المختبرات الحقيقية التي تُصنع فيها استراتيجيات الدفاع عن العقول. إن الاعتماد على مخرجات هذه الأبحاث لم يعد ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة قصوى لتمكين مؤسساتنا الإعلامية من امتلاك ناصية "الاستباق الرقمي" وإدارة الأزمات باحترافية تضمن حماية الأمن القومي.
وعلينا كإعلاميين وممارسين أن نتلقى هذه الرسالة بجدية تامة؛ فالكلمة في زمن الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد خبر، بل هي سلاح صريح، والانتصار في معارك المستقبل يبدأ من هنا.. من قاعات العلم ومنصات البحث التي ترسم لنا خارطة الطريق في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء تقنياً ومعرفياً.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية