تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > مصطفى البلك > القوة الناعمة تعلن حضورها الأقوى في رمضان 2026

القوة الناعمة تعلن حضورها الأقوى في رمضان 2026

كل عام ومصر قيادة وشعبا بخير بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، أعاده الله على وطننا بالأمن والاستقرار ومزيد من التألق في كل مجالات الإبداع، وجعل هذا الشهر الكريم مناسبة تتجدد فيها الروح وتترسخ فيها قيم العمل والبناء.

خلال أيام قليلة ينطلق سباق رمضان 2026، لكن المشهد هذا العام لا يبدو مجرد موسم درامي جديد بقدر ما يعكس تحولا عميقا في فلسفة الإنتاج وإدارة القوة الناعمة المصرية. نحن أمام خريطة أعمال تكشف بوضوح أن الرهان لم يعد على كثافة الحلقات وحدها، بل على تنوع الطرح، وجرأة الاختيارات، وإعادة تقديم النجوم في مناطق تمثيلية غير مألوفة، في إطار استراتيجية إنتاجية أكثر نضجا تقودها الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية.

الموسم الحالي يؤكد أن الدراما المصرية لم تعد أسيرة القوالب الجاهزة. فبينما يحافظ عدد من الأعمال على امتداد الثلاثين حلقة، يتزايد حضور مسلسلات الخمسة عشر حلقة، في استجابة واضحة لإيقاع العصر الرقمي، وميل الجمهور إلى الحكايات المكثفة التي تراهن على الجودة لا الإطالة.

هذا التحول لا يعكس مجرد تنويع شكلي، بل يعبر عن وعي إنتاجي يدرك أن المنافسة لم تعد محلية فقط، بل باتت مفتوحة على منصات عالمية غيرت ذائقة المشاهد وأدوات تلقيه.

على مستوى الموضوعات، نلحظ اتجاها متناميا نحو “الدراما الاشتباكية” المرتبطة بالواقع السياسي والاجتماعي، كما في مسلسل صحاب الأرض الذي يقترب إنسانيا من تداعيات العدوان على غزة، مقدما سردا يمزج الخاص بالعام، والوجداني بالسياسي. وفي المقابل، تبرز “الدراما التوثيقية الأمنية” في مسلسل رأس الأفعى الذي يغوص في كواليس مطاردة القيادي الإخواني محمود عزت، في عمل يستند إلى وقائع حقيقية ويعكس حساسية ملف الأمن القومي.

يأتي مسلسل رأس الأفعى كامتداد طبيعي لسلسلة أعمال الإنتاج المتحدة التي وثقت لفترات عصيبة من تاريخ مصر الحديث، وركّزت على بطولات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، كما حدث في أعمال بارزة مثل الاختيار وهجمة مرتدة والكتيبة 101.

هذه الأعمال لم تكتفِ بسرد الأحداث، بل وثقت لمن سقطوا في “بئر الخيانة” ووقفوا خلف الجماعات الإرهابية، كما كشفت بطولات ووقائع مخزية بالصوت والصورة، مقدمة حقائق واقعية كانت غالبًا تُعرض في نهاية كل حلقة. وهنا تكمن أهمية الدراما، إذ تتحول إلى أداة توثيقية قادرة على كشف الحقائق، وتقديم الرواية الوطنية بطريقة صادمة وحيّة تصل إلى قلب المشاهد، وتعيد الاعتبار للبطولات التي غالبًا ما يغفلها التاريخ الرسمي أو تُحجب عن الإعلام التقليدي.

أما على صعيد كسر النمط، فتبدو الظاهرة الأكثر لفتا للانتباه هذا العام هي إعادة تفكيك الصورة الذهنية للنجوم. الفنان ياسر جلال، الذي ارتبط لسنوات بأدوار الرجل الصارم أو البطل صاحب الهيبة، يخوض مغامرة اجتماعية كوميدية مختلفة في كلهم بيحبوا مودي، مجسدا رجل أعمال مدللا يفقد ثروته ويجد نفسه في مواجهة واقع لم يعتده. هذه الانعطافة ليست مجرد تغيير نوعي، بل رسالة بأن النجم الحقيقي هو القادر على التحول والتلون.

كذلك يعود يوسف الشريف في فن الحرب بعيدا عن مناطق الخيال العلمي المعقد التي اشتهر بها، ليقدم صراعا إنسانيا أقرب إلى الواقع، حيث يتحول حلم التمثيل إلى رحلة انتقام وكشف حقيقة بعد تورط الأب في قضية نصب كبرى. هنا لا يعتمد العمل على الإبهار البصري بقدر ما يراهن على الأداء الداخلي والصراع النفسي.

وفي منطقة مختلفة، يواصل أحمد أمين مغامرته في المزج بين التاريخ والكوميديا عبر النص التاني، مستدعيا أجواء الأربعينيات والحرب العالمية الثانية، ومقدما صورة “الجاسوس” بملامح إنسانية ساخرة، تكسر قدسية النمط التقليدي لأعمال الجاسوسية.

الحضور النسائي هذا العام لا يقل جرأة. هند صبري في مناعة تغوص في أجواء الباطنية في الثمانينيات، مقدمة شخصية امرأة تواجه عالما قاسيا بعد مقتل زوجها. وريهام عبد الغفور في حكاية نرجس تقترب من مناطق نفسية شائكة تتعلق بالوصم الاجتماعي، بينما تدخل روجينا عالم الجرائم المالية في حد أقصى، لتضع المرأة في قلب شبكة معقدة من الاتهامات وغسيل الأموال.

حتى الدراما الشعبية والاجتماعية تحضر برؤى متجددة، من درش الذي يمزج الشعبي بالإنساني، إلى علي كلاي الذي يقدم صراعات اجتماعية عبر عالم الملاكمة، وعلى قد الحب الذي يعيد الاعتبار للرومانسية الاجتماعية الهادئة.

هذا التنوع لا يأتي مصادفة، بل هو نتاج إدارة واعية للأصول الفنية، وإيمان بأن “تنميط النجم” هو أسرع طريق لاستهلاكه. لذلك كان قرار الدفع بالنجوم إلى مناطق جديدة بمثابة “مخاطرة محسوبة” تضمن تجديد الدماء ومنع الوصول إلى حالة الملل الإنتاجي.

ومن حقنا هنا أن نتوقف لتوجيه التحية إلى قيادات الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، نود أن نخص بالذكر الصديق العزيز الدكتور عماد ربيع، رئيس قطاع الإنتاج الدرامي بالشركة المتحدة، الذي يقود هذا القطاع باحترافية لاقت إعجاب الجميع، وترك بصمة واضحة في صناعة أعمال درامية متميزة. كما نقدر الجهود الكبيرة للكاتبة الصحفية الكبيرة علا الشافعي، رئيس مجلس إدارة اليوم السابع ومسؤولة المحتوى الدرامي بالشركة المتحدة، والتي تضيف لمسة نقدية ومهنية عالية الجودة على كل ما يُقدم، والزميلة العزيزة نشوى جاد، رئيسة قطاع المحتوى بالشركة المتحدة والمسئولة عن ، التي تساهم بفاعلية في تنسيق المحتوى وإثرائه. ولا ننسى المنتجة دينا كريم، رئيس قطاع التوزيع بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التي تلعب دورًا محوريًا في إيصال الإنتاج المصري إلى أوسع جمهور، والإعلامي المبدع أحمد فايق، رئيس قطاع البرامج، الذي يثبت دائمًا أنه عقل مستنير يضيف لكل مشروع يشارك فيه. ويستحق كل جنود الخفاء في الإنتاج والتسويق أيضًا كل الشكر، لما قدموه من جهد متميز ساهم في وصول هذه الأعمال إلى كل بيت بذكاء واحترافية عالية وكل الشكر لشركات انتاج المتحدة والقائمين عليها .

ولعل من أجمل مفاجآت هذا العام، والتي تثلج صدورنا جميعا، هي تلك العودة القوية والمظفرة لقطاع الإنتاج بماسبيرو، ليعود التلفزيون المصري العريق إلى ممارسة دوره التاريخي في الإنتاج الدرامي بعمل يحمل بفخر شعار صنع في التلفزيون المصري، معانقا أصالة الماضي مع حداثة الحاضر، ومؤكدا أن الريادة المصرية ستظل دائما قوية بتعدد روافدها وتكاتف مؤسساتها.

في النهاية ، لا نتحدث عن موسم عابر، بل عن مرحلة نضج إنتاجي تؤكد أن الدراما المصرية ما زالت تملك القدرة على التطور والتجدد، وأن قوتها الناعمة ليست شعارا بل ممارسة فعلية. الرهان اليوم ليس فقط على نسب المشاهدة، بل على ترسيخ مشروع درامي قادر على المنافسة عربيا، وصياغة وعي جديد يحترم عقل الجمهور ويستثمر في طاقات نجومه ومبدعيه.

هكذا تبدو دراما 2026: خطوة أخرى في مسار طويل يعيد تثبيت مكانة مصر كقلب نابض للصناعة الفنية في المنطقة، ويؤكد أن الاستثمار في الفن هو في جوهره استثمار في الهوية والوعي والمستقبل ، القوة الناعمة تعلن حضورها الأقوى في رمضان 2026.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية