تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > مصطفى البلك > أردوغان في القاهرة.. استعادة التوازن الإقليمي

أردوغان في القاهرة.. استعادة التوازن الإقليمي


لم يكن استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي للرئيس التركي رجب طيب أردوغان في قصر الاتحادية مجرد زيارة رسمية أو عودة دبلوماسية تقليدية، بل كان مشهدا سياسيا بالغ الدلالة يعكس تحولا عميقا في خريطة التوازنات الإقليمية ويكشف عن ثمار سياسة مصرية اختارت الصبر والحسابات الدقيقة طريقا لها وسط إقليم شديد الاضطراب. 
هذا الاستقبال تحديدا دفعني للتوقف طويلا أمام ما آلت إليه الأمور وكيف نجحت مصر تحت قيادة الرئيس السيسي في إعادة بناء الثقة وفرض منطق الدولة الرشيدة القادرة على حماية أمنها ومحيطها دون اندفاع أو انفعال.
زيارة أردوغان للقاهرة تأتي في توقيت بالغ الحساسية تشهد فيه المنطقة واحدة من أكثر مراحلها تعقيدا مع استمرار عدم الاستقرار في غزة وتصاعد التوتر في البحر الأحمر وشرق المتوسط وارتباك مواقف قوى إقليمية كانت تراهن على فرض نفوذها عبر الصدام لا التفاهم.

في قلب هذا المشهد تبدو القاهرة مرة أخرى رقما صعبا لا يمكن تجاوزه وصاحبة كلمة مسموعة في القضايا الكبرى من الأمن الإقليمي إلى القضية الفلسطينية مرورا بملفات الطاقة والهجرة ومكافحة الإرهاب.
العلاقات المصرية التركية لم تكن يوما علاقات هامشية بل هي علاقة بين دولتين مركزيتين في الإقليم، لم تُغلق الأبواب نهائيا ولم تنجر إلى معارك استنزاف إعلامية أو سياسية بل وضعت خطوطا واضحة تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل والتخلي عن الأوهام الأيديولوجية التي أضرت بالإقليم أكثر مما أفادته.
اليوم يعود الرئيس التركي إلى القاهرة بعد أن أدركت أنقرة أن الطريق إلى الاستقرار والمصالح يمر عبر القاهرة، في المقابل لم تغير مصر ثوابتها ولم تساوم على أمنها.
أهمية هذه الزيارة تتجاوز العلاقات الثنائية لتلامس عمق الإقليم بأسره فالتقارب بين مصر وتركيا يبعث برسالة واضحة مفادها أن أمن المنطقة لا يمكن ضمانه دون تفاهم بين القوى الكبرى فيها كما يؤكد أن مصر باتت رقما أساسيا في أي معادلة تخص شرق المتوسط أو القضية الفلسطينية أو مستقبل التوازنات الإقليمية.
كما تعكس الزيارة إدراكا متزايدا للدور المصري في إدارة الأزمات الإقليمية وعلى رأسها القضية الفلسطينية حيث أثبتت القاهرة أنها الطرف الأكثر قدرة على التواصل مع مختلف الفاعلين وعلى إدارة وساطات معقدة دون شعارات أو مزايدات. هذا الدور لم يأت من فراغ بل هو نتاج سياسة ثابتة اعتمدت على استعادة مؤسسات الدولة وبناء قدراتها وتعزيز استقلال القرار الوطني.
اللافت في مشهد الاستقبال بقصر الاتحادية أنه بدا وكأنه تتويج لمسار طويل من الصبر السياسي وإعادة بناء المكانة الإقليمية. فمصر التي واجهت حملات تشكيك وضغوطا سياسية واقتصادية نجحت في فرض معادلة جديدة أساسها أن الاستقرار الإقليمي يبدأ من احترام الدولة الوطنية وأن أمن المنطقة لا يتحقق بالفوضى أو تصدير الأزمات بل بالتفاهم والتنسيق.
سياسة النفس الطويل التي انتهجها الرئيس السيسي لم تكن مجرد تكتيك مرحلي بل رؤية استراتيجية أدركت أن الزمن كفيل بكشف صواب المواقف وأن التغيرات الدولية والإقليمية ستفرض في النهاية العودة إلى منطق الدولة. وها هي النتائج تتجسد في عودة علاقات وفي اعتراف متزايد بدور مصر كصمام أمان للمنطقة.
مصر تحت قيادة السيسي غيرت الكثير ليس فقط على مستوى الداخل بل في محيطها الإقليمي أيضا ونجحت في فرض سياسة واضحة عنوانها سلامة وأمن المنطقة وعدم الانجرار إلى مغامرات غير محسوبة. زيارة أردوغان للقاهرة واستقباله في الاتحادية ليست مجرد حدث دبلوماسي بل شهادة سياسية على أن الصبر الاستراتيجي قادر على إعادة التوازن وأن القاهرة حين تصمت أحيانا فإنها تفعل ذلك وهي تمسك بخيوط المشهد وتعيد ترتيبها في اللحظة المناسبة.
في لحظة إقليمية مضطربة تؤكد هذه الزيارة أن مصر استعادت ثقة من حولها وأنها باتت قادرة على لعب دور محوري في صياغة مستقبل المنطقة وأن ما نشهده اليوم ليس تغيرا في المواقف بقدر ما هو انتصار لسياسة راهنت على الدولة والعقل والسلام الإقليمي فربحت.
وشهدت هذه الزيارة توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تعكس توجهاً متجدداً نحو تعزيز التعاون الثنائي في عدة مجالات، حيث شهد الرئيسان عبد الفتاح السيسي ورجب طيب أردوغان التوقيع على اتفاقية عسكرية إطارية تمثل إطاراً لتعزيز التنسيق الدفاعي بين القوات المسلحة في البلدين، كما وقّع الجانبان مجموعة من مذكرات التفاهم تشمل التعاون في تنظيم الأدوية والمستلزمات الطبية والحجر النباتي والخدمات البيطرية والتجارة الخارجية والاستثمار والخدمة الاجتماعية والشباب والرياضة، بالإضافة إلى اتفاقيات لتوسيع التعاون في مجالات الصحة والزراعة والخدمات الاجتماعية، وقد تزامنت هذه التوقيعات مع بيان مشترك لمجلس التعاون الاستراتيجي بين مصر وتركيا وتهدف لتعزيز العلاقات في الدفاع والتجارة والخدمات وتوسيع التعاون الاقتصادي والاجتماعي بين الجانبين.
هكذا تبدو زيارة الرئيس التركي إلى القاهرة واستقباله في قصر الاتحادية دليلا جديدا على أن مصر اختارت الطريق الأصعب والأكثر استدامة طريق الصبر الاستراتيجي وبناء الدولة واحترام التوازنات لا طريق الشعارات والصدامات السريعة فالقاهرة لم تبدل مواقفها ولم تفرط في ثوابتها لكنها انتظرت اللحظة التي تعود فيها الأطراف إلى منطق الدولة والمصلحة المشتركة واليوم تفرض مصر رؤيتها كدولة تعرف متى تصمت ومتى تتكلم ومتى تفتح الأبواب دون أن تتنازل عن أمنها أو دورها لتؤكد أن الاستقرار الإقليمي لا يصنعه الضجيج بل تصنعه العواصم التي تمتلك الإرادة والعقل والقدرة على حماية مستقبل المنطقة. 

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية