تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > محمود عبد الشكور > "إن غاب القط" .. ألعاب لا تنتهي !

"إن غاب القط" .. ألعاب لا تنتهي !

ربما يكون من المناسب في الفترة القادمة أن أكتب دراسة مؤجلة تلحّ عليّ منذ فترة عن تأثير سلسلة أفلام "أوشن" وفريقه على الأفلام المصرية، فهذا التأثير يبدو حقا متسعا وعميقا ومستمرا، ومن الواضح أنه سيتواصل، وصناع أفلامنا أتقنوا اللعبة، وكرروها إلى درجة مزعجة فعلا، بل وامتزجت معالجات أفلامهم بتأثيرات أيضا من سلسلة أفلام "مهمة مستحيلة"، والتي كانت حلقات تليفزيونية شهيرة في السبعينيات، وكذلك تأثيرات من أجواء عالم الأفلام الكوميدية الأمريكية المقتبسة من القصص المصورة ( الكوميكس).

هذا الفيلم الذى اختتم موسم 2025 السينمائى وعنوانه "إن غاب القط"، من تأليف أيمن وتار، وإخراج سارة نوح، نموذج جديد لهذا التأثير، وباستهلاك كامل مزعج للتوافيق والتباديل اللانهائية، وللشخصيات الكارتونية، وللأسف، بتراجع مستوى ومواقف الكوميديا، أى أننا أمام مجرد ألعاب لا تنتهي، وربما لا معنى لها، وعبر قصة حب ساذجة، ونهاية أكثر سذاجة، المهم أن يستمر اللعب.. ودمتم.

سأعود إلى الفيلم الذى لا يحتاج إلى الكثير من الكلام، ولكنى سأحدثكم باختصار عن تأثير أفلام "أوشن"، وأفلام الكوميكس الساخرة أيضا، على طوفان من الأفلام المصرية,

لم تقم هذه السلسلة بإنشاء ذلك النوع المسمى بأفلام "السرقة"، لأن هذا النوع كان موجودا من قبل فى السينما المصرية، ولكن بنماذج قليلة، أشهرها وأفضلها فيلم "لصوص ولكن ظرفاء"، والذى منح عادل إمام أفضل أدواره فى مرحلة أفلام الأبيض والأسود، والذى قدمت فيه مارى منيب دور الوداع قبل وفاتها، والفيلم متقن الحبكة والتفاصيل والشخصيات، ومازال يمتع المشاهدين حتى اليوم.

لكن دخول سلسلة "أوشن" الناجحة جماهيريا، منح أفلام السرقات المصرية دفعة هائلة كما وكيفا، حيث تعددت معالجات كوميدية لفريق من اللصوص، وعبر حبكات مركبة للغاية أحيانا، تستفيد هذه المرة من تعقيد حبكات سلسلة أخرى هى "مهمة مستحيلة"، وفى إطار كارتونى قادم مباشرة من عالم القصص المصورة، حيث تبدو الشخصيات خيالية رغم تفاصيل الواقع، وبتنويعات كثيرة، جعلت أفلام السرقة المصرية أقرب الى نوع مستقل، ولكن بتفاوت كبير جدا فى الإتقان وخفة الظل وإتقان البناء والشخصيات والحبكات.

لم تكن لدى مشكلة فى ذلك، لأننا أمام نوع جديد، أجاده البعض، وفشل البعض فى إتقانه، وظهرت منه أفلام حققت الملايين، وأفلام أخرى فاشلة، ولكن كانت مشكلتى ومخاوفى من تحول النوع الى ألعاب تشبه ألعاب الفيديو جيم الخاوية، بأن يصبح اللعب هدفا فى ذاته، وأن تستهلك الأفلام نفسها بهذه الطريقة البائسة.
من هنا كان انزعاجى من أفلام كثيرة، منها بالتأكيد "إن غاب القط"، الذى كتبه مؤلف موهوب جدا هو أيمن وتار، ولكنه هنا يستهلك نفسه، ويتحفنا بحشد كبير جدا من الشخصيات، ويعيد ويزيد فى التلاعب بالحبكة، فننتقل من الذكاء إلى سذاجة كاملة، وبشخصيات كارتونية من عالم الكوميكس.

وبينما يبدو أيمن متميزا جدا فى الكوميديا، فإن الضحك هنا فى حده الأدني، والكثير من المواقف طائشة، وفى الجزء الأخير توقفت فعلا عن التركيز، لأن أى شيء يقود الى أى شيء، ولأن اللعبة التى بدأت بطرافة، قد انتهت الى لعبة "دوخينى يالمونة"، و"كله على كله " على رأى عدوية، المهم تقفيل الفيلم، والمهم أن يقال لنا فى النهاية : "عليكم واحد" و"كل عام وأنتم بخير".

هنا استهلاك كامل لفكرة كان يمكن أن تصنع عملا جيدا، بل واستهلاك للنوع، الذى أتوقع أن يحرق نفسه بنفسه إذا لم يتم استخدامه بشكل جيد، وزاد الأمر سوءا أن سارة نوح فى فيلمها الأول الطويل كمخرجة، أسرفت فى اللقطات السريعة والقصيرة، وفى الانتقالات الحادة، مما جعل المشاهدة غير مريحة على الإطلاق، فكأننا ننظر من فتحة صندوق الدنيا، لنتابع صورا سريعة لا تثبت على حال، طوال مدة الفيلم.

الإطار الخيالى للفكرة، وشخصياتها الكوميكس يسمح بأن نتقبل وجود أشهر متخصص فى سرقة اللوحات الفنية، يسمونه القط (آسر ياسين)، ويسمح أن يسرق لوحة شبيهة الموناليزا، ويسلمها لأكبر بائعة لوحات مسروقة يسمونها وزيرة (سماح أنور)، ولكن شهاب ضابط التأمين على اللوحات (محمد شاهين) ، يقرر أن يوقع بالقط عن طريق توأمه زين، طبيب الحيوانات المسالم (آسر ياسين أيضا)، وباستخدام خطيبة زينهم وهى مرممة اللوحات الساذجة هند (أسماء جلال).

لا بأس فى الخطوط العامة للحكاية، والتى يمكن، كما ذكرت أن تصنع فيلما معقولا، وخاصة أن أيمن قدم مفاجأة جيدة جدا فى وقت مبكر، إذ كشف للجمهور أن القط (واسمه الأصلى زينهم) قد قتل فى إحدى عملياته، وأن زين وحده هو الذى يدير اللعبة على طريقة دكتور جيكل ومستر هايد، حيث يسرق فى الصباح، ويبدو طبيبا مسالما وخجولا فى الليل.

ولكن الحكاية تتشعب الى شخصيات كثيرة جدا، بعضها يمكن الاستغناء عنه تماما، مثل شخصية حربى التى لعبها على صبحي، وتظهر مشكلة أخرى وهى عدم إتقان مشاهد السرقة الأولى التى تتم بمنتهى السهولة، ثم تظهر مشكلة أخرى أسوأ وهى انطلاق تطوير الحبكة الى ألعاب مجانية، والى ظهور شخصية بائسة أفسدت أجواء الضحك القليلة، وهى شخصية ميادة، التى لعبت دورها بافتعال كامل الممثلة اللبنانية كارمن بصيبص، والمفترض أن تلك الشخصية ستحمل جانبا كبيرا من مشاهد النصف الثانى من الفيلم.

أفضل ما فى عالم زين علاقة حبه مع هند، ولكن الأمر يبدو مشوشا تماما، فمرة نرى زين حريصا على اللوحات، ومرة تظهر محبته لهند، ثم يختلط الحابل والنابل، وتتشابك خيوط الفبركة، حتى نتمنى أن تنتهى هذه السخافات على أى نحو، حتى لو كانت النهاية تريدنا أن نصدق أن اللص المحترف سيضحى بكل شيء من أجل حبيبته.

تباين أداء الممثلين أيضا ليكمل دائرة الركاكة، فقد كان أكثرهم توفيقا فى أداء الكوميديا محمد شاهين ثم أسماء جلال، بينما تأرجح أداء آسر ياسين فى أداء دوريّ زينهم وزين، بحيث بدا جادا فى مواقف هزيلة، وساخرا فى مواقف جادة، وحاولت سماح أنور أن تصنع شيئا فى بعض المواقف، ولكن الشخصية لم تتطور، ولم تأخذ مساحة كبيرة، وكان الأجدر أن تأخذ مساحة ميادة.

عودٌ على بدء: لا مشكلة فى النوع، ولا الاستلهام، المشكلة فى اللعب الساذج، لأنه ضد منطق هذا النوع نفسه، وأخشى فعلا أن نصل الى درجة أكثر بؤسا فى الحبكات، وفى الشخصيات، وفى مساحة السخرية والإضحاك على حد سواء.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية