تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > محمود بسيوني > مصر والخليج.. وحدة الدم والمصير

مصر والخليج.. وحدة الدم والمصير

ليست كل العلاقات تُكتب فى دفاتر الدبلوماسية، فبعضها يُنقش فى الوجدان الجمعى للأمم، ويُختبر فى لحظات الخطر، حين تتكشف المعادن الحقيقية للدول.

وهنا، تحديدًا، تقف العلاقة بين مصر وأشقائها فى دول الخليج العربى بوصفها واحدة من أكثر الروابط صلابة فى الإقليم؛ علاقة بنيت على وحدة المصير، وتلاقى الضرورة، وتراكم المواقف.
منذ عقود، تشكّل وعى استراتيجى مصرى واضح بأن أمن الخليج ليس شأنًا بعيدًا، بل امتداد عضوى للأمن القومى المصرى، التزامًا تُترجمه الأفعال، وحين اجتاح الغزو العراقى دولة الكويت، لم تتردد القاهرة، بل دفعت بقواتها ضمن تحالف دولى لتحرير الكويت، لتؤكد أن مصر حين تتحدث عن التضامن العربى، فإنها تقصده بمعناه الكامل: دمٌ يُبذل، لا كلمات تُقال.

هذا الامتداد التاريخى يفسّر بوضوح طبيعة الموقف المصرى الراهن تجاه ما تتعرض له دول الخليج من اعتداءات إيرانية، فقد جاء الموقف حاسمًا منذ اللحظة الأولى: إدانة قاطعة، ورفض كامل لهذه الاعتداءات الآثمة وغير المبررة، مع تأكيد لا لبس فيه بأن أمن دول الخليج العربى خط أحمر، وأن المساس به يُعد مساسًا مباشرًا بالأمن القومى المصرى.

لكن القاهرة لم تكتفِ بالإدانة، بل تحركت على مسارين متوازيين: دعم الأشقاء، والعمل على احتواء التصعيد، فقد نقلت مصر رسائل واضحة إلى الجانب الإيرانى بأن دول الخليج ليست طرفًا فى أى صراع، وأن استهدافها أمر غير مقبول ويجب وقفه فورًا، بالتوازى مع جهود دبلوماسية مكثفة لدفع جميع الأطراف نحو العودة إلى مسار التفاوض، بوصفه الطريق الوحيد للحفاظ على استقرار المنطقة.



جولات الرئيس الخليجية

وفى قلب هذا المشهد، جاءت الجولة الخليجية التى قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى كل من الإمارات وقطر، كترجمة عملية لهذا الموقف، لم تكن زيارة بروتوكولية عابرة، بل تحركًا سياسيًا محسوبًا فى توقيت بالغ الدقة، يحمل رسائل مباشرة لا تحتمل التأويل ، وأن سياسة مسافة السكة قائمة وحاضرة .

وأهم مظاهرها قيام الرئيس عبد الفتاح السيسى بجولة خليجية فى توقيت بالغ الدلالة بدأت بأبوظبى، حيث اجتمع مع الشيخ محمد بن زايد، فى مشهد يعكس عمق الروابط بين البلدين.

 وخلال اللقاء، أكد الرئيس دعم مصر الكامل للإمارات، ومساندتها لكل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها واستقرارها، مع تجديد الإدانة المصرية للاعتداءات الإيرانية، ولم يكن هذا الموقف مجرد إعلان تضامن، بل تضمن أيضًا عرضًا للجهود المصرية لوقف التصعيد، والتأكيد على أن القاهرة تتحرك بالفعل لتجنيب المنطقة مزيدًا من التوتر.

وكان التقدير الإماراتى واضحًا، حيث أكد الشيخ محمد بن زايد أن زيارة الرئيس تعكس العلاقات الأخوية الوثيقة، مثمنًا الدور المصرى فى الحفاظ على الاستقرار الإقليمى، ومشددًا على أهمية استمرار التنسيق بين البلدين فى مواجهة التحديات.

شمولية الموقف المصرى

ومن أبوظبى إلى الدوحة، حملت الزيارة نفس الرسالة، ولكن بصياغة تؤكد شمولية الموقف المصرى، فقد استقبل الشيخ تميم بن حمد آل ثانى الرئيس السيسى، وعُقد لقاء موسع أكد خلاله الرئيس دعم مصر الكامل لقطر، واصطفافها إلى جانب كل دول الخليج فى مواجهة الاعتداءات، كما شدد على استعداد مصر لتقديم كل أشكال الدعم، بالتوازى مع استمرار الاتصالات المصرية لخفض التصعيد، بما فى ذلك التواصل مع إيران، حيث أكدت القاهرة رفضها الكامل لهذه الاعتداءات وطالبت بوقفها فورًا.

وقد عبّر الجانب القطرى عن تقديره لهذا الموقف، مؤكدًا أن العلاقات مع مصر راسخة على المستويين الرسمى والشعبى، وأن التنسيق بين البلدين يمثل ركيزة أساسية لاستعادة الاستقرار الإقليمى.

ولم تتوقف التحركات المصرية عند حدود هذه الجولة، بل امتدت عبر شبكة واسعة من الاتصالات، شملت الأمير محمد بن سلمان ولى العهد السعودى والملك عبد الله الثانى ملك الأردن، والشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت والملك حمد بن عيسى ملك البحرين والسلطان هيثم بن طارق فى سلطنة عمان، ومحمد شياع السودانى رئيس وزراء العراق، فى إطار جهد منظم لتوحيد الرؤى وتعزيز فرص التهدئة. كما اطّلع الرئيس على نتائج جولة وزير الخارجية التى شملت عددًا من الدول العربية، والتى حملت رسالة مصرية واضحة: تضامن كامل، وتنسيق مستمر، ورفض قاطع لأى تهديد لأمن الدول العربية.

غير أن المعركة، فى جوهرها، لم تعد عسكرية فقط، فثمة جبهة أخرى أكثر خطورة، تُدار عبر الشائعات، وتُغذى بالمعلومات المغلوطة، فيما يُعرف بحروب الجيل الخامس. هنا، لا تُستخدم الصواريخ، بل تُستخدم الأكاذيب؛ ولا تُحتل الأرض، بل تستهدف الوعى . وفى هذه المساحة الحرجة، نشطت منصات إعلامية معادية، فى مقدمتها الأذرع الإعلامية لجماعة الإخوان الإرهابية، التى تسعى إلى تشويه الدور المصرى، وبث الفرقة بين مصر وأشقائها، عبر حملات ممنهجة تستهدف تقويض الثقة وإثارة الفتن.

بيان واضح وكاشف

وكانت مصر يقظة لهذه المحاولة البائسة وجاء الرد المصرى حاسمًا، وسريعًا، عبر وزارة الدولة للإعلام، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام وإصدارهم لبيان مشترك تحذيرى شديد اللهجة كشف بوضوح خطورة ما يُدار على الساحة الإعلامية، حيث أكد البيان أن العلاقات بين مصر والدول الخليجية ليست علاقات طارئة، بل روابط راسخة تمتد لعقود، صهرتها الأزمات، ورسختها المواقف.

وشدد البيان المهم على أن محاولات المساس بهذه العلاقات تُمثل جريمة بحق المصالح القومية العربية، داعيًا إلى وقف السجالات الإعلامية غير المستندة إلى حقائق، ومناشدًا الإعلاميين والمثقفين الاضطلاع بدورهم فى وأد الفتنة، وقطع الطريق على محاولات الوقيعة التى لا تخدم إلا أعداء الأمة.

كما وجّه البيان تحذيرًا واضحًا إلى المواطنين من الانسياق وراء الشائعات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعى، مؤكدًا ضرورة الاعتماد على المصادر الرسمية، وعدم المشاركة فى حملات التشكيك والإساءة، ولم يكتفِ بذلك، بل أعلن اتخاذ إجراءات قانونية لضبط الأداء الإعلامى، ومنع أى تجاوزات تمس علاقات مصر بالدول الشقيقة. هكذا تتشكل صورة الموقف المصرى كاملًا: موقف سياسى واضح، تحرك دبلوماسى نشط، ووعى إعلامى يقظ.

ثلاث دوائر تتكامل لحماية رابطة ليست عادية، بل هى إحدى ركائز التوازن فى المنطقة. وتبقى الحقيقة الأهم: أن ما يجمع مصر وأشقاءها فى الخليج ليس ظرفًا عابرًا، بل تاريخ مشترك، ومصير واحد، وإدراك متبادل بأن القوة الحقيقية لا تُبنى إلا بوحدة الصف.

هى علاقات إذا هبّت عليها رياح الفتن، لم تزدها إلا تماسكًا… وإذا حاولت أمواج الشائعات أن تنال منها، تكسرت على صخور صلابتها، لأن هذه العلاقة، ببساطة… أقوى من كل الفتن.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية