تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

أصبح أغلب نجوم التوك شو فى مصر نشطاء سياسيين أكثر منهم مذيعين، وابتعدوا كثيرًا عن قواعد العمل الإعلامى المهنية. لم يعد المذيع وسيطًا ينقل المعلومة ويطرح الأسئلة، بل تحول فى كثير من الأحيان إلى صاحب رأى مطلق، يعلو صوته أكثر مما يعلو منطقه.

فهذا مذيع بصوته العالى المنفّر يدفع المشاهد إلى تغيير القناة قبل أن يفهم الفكرة، وذاك آخر لا يستطيع المشاهد أن يُكمل معه جملة مفيدة واحدة وسط فوضى كلامية واستعراض رأى. ومذيعة تتباهى بما ترتديه من مجوهرات وملابس أكثر بكثير مما تقدمه من مضمون، وأخرى ظُلمت حين دُفعت لتقديم تحليلات سياسية وهى تفتقر فى الأساس إلى الحد الأدنى من المعرفة والثقافة، فتحولت الشاشة من منصة توعية إلى مساحة ارتباك.
هذه النماذج ليست استثناءً، بل أصبحت ظاهرة، تعكس أزمة حقيقية فى الإعلام المصرى، أزمة خلط الأدوار بين الإعلامى والناشط، وبين نقل الخبر وصناعته، وبين المهنية والاستعراض.
المشكلة لا تكمن فقط فى الأشخاص، بل فى المنظومة ككل. فغياب معايير الاختيار، وضعف التدريب، وغياب المحاسبة المهنية، كلها عوامل ساهمت فى إنتاج جيل من مقدمى البرامج يعتقد أن رفع الصوت، وفرض الرأى، والانحياز الصريح، هو طريق النجومية والانتشار. بينما الحقيقة أن الإعلام الحقيقى يقوم على الهدوء، والموضوعية، واحترام عقل المشاهد.
المذيع ليس قاضيًا يصدر أحكامًا، ولا سياسيًا يروج لأفكار، ولا نجم استعراض يبحث عن «الترند»، بل هو ناقل أمين للمعلومة، ومحاور ذكى يترك للمشاهد حق الفهم والتقييم.
تطوير الإعلام يبدأ أولًا بإعادة تعريف دور المذيع. يجب أن يعود إلى مكانه الطبيعي: مهنيًا، محايدًا، ومطلعًا. لا بد من إنشاء برامج تدريب حقيقية، لا تعتمد فقط على الشكل والصوت، بل على الثقافة العامة، والوعى السياسى، والقدرة على البحث والتحقق من المعلومات.
كما أن معرفة المعلومة قبل تقديمها أمر لا يقبل التهاون. فلا يجوز لمذيع أن يناقش ملفًا سياسيًا أو اقتصاديًا دون فهم أبعاده، أو أن يستضيف ضيفًا دون تحضير، أو أن يدير حوارًا دون امتلاك أدواته.
ومن الضرورى أيضًا الفصل الواضح بين الرأى والخبر. إن أراد المذيع أن يكون صاحب موقف سياسى، فليفعل ذلك خارج الشاشة، أما أمام الكاميرا فالمشاهد ينتظر معلومة لا خطبة، وحوارًا لا صراخًا.
إصلاح الإعلام ليس رفاهية، بل ضرورة. فالإعلام هو أحد أهم أدوات تشكيل الوعى، وإذا استمر على هذا النحو، فسنفقد ثقة المشاهد بالكامل. عودة المذيع إلى دوره الحقيقى، وظهور جيل جديد مؤهل، مثقف، ومحترف، هو الطريق الوحيد لإعلام يحترم نفسه وجمهوره.
فالإعلامى الحقيقى لا يُقاس بعلو صوته، ولا بثمن بدلته، بل بقدرته على إيصال الحقيقة… بهدوء.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية