تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > محمد عبد العزيز > القبح الذي يطل علينا من نافذة "أوفيرتون"!

القبح الذي يطل علينا من نافذة "أوفيرتون"!

رجل يذبح ثلاثة أطفال لخلافه مع أبيهم, سيدة تضرب أمها بزجاجة على رأسها في عرض الشارع, شاب يهدد أمه بمطواة تحت تأثير المخدرات, "بلوجر" شهيرة "تردح" لوالدها في بث مباشر, سيدة تقوم بتصوير رجل يمارس فعلا فاضحا في سيارته اثناء توقفه في إشارة مرور.. سيل لا ينقطع من الحوادث الغريبة والقصص الشاذة التي تبثها وسائل التواصل الاجتماعي يومياً، وتتزايد مع عمليات المشاركة والنشر المتوالي على أوسع نطاق, كنوع من الترويج لما يمكن تسميته "صناعة القبح" وتعويد المجتمع على أشكال جديدة من السلوكيات الشاذة حتى يعتادها المجتمع فتصبح شيئا فشيئا سلوكيات وأحداثا واقعية مقبولة يمكن أن نناقش بكل برود أسبابها أو نتائجها دون أن نعود من الأساس لمربع الرفض المبدئي لها.
مؤخرا شاهدت فيديو حقق انتشارا كبيرا على مواقع التواصل الاجتماعي لشاب يقف على كرسي في وسط الشارع ويرتدي ملابس نسائية في إهانة واضحة ومقصودة لرجولته من خلال مجموعة من الشباب الذين يبدو أنهم يعاقبونه بسبب خلافات اجتماعية- ليس هنا محل مناقشتها- وهو مشهد تكرر أكثر من مرة خلال السنوات القليلة الماضية لكن تدشينه كان منذ عدة أعوام من خلال مسلسل تليفزيوني لنجم شهير, وأثار آنذاك ردود فعل غاضبة من جرأته والخوف من تحققه على مستوى الواقع وهى المخاوف التي تحققت بالفعل, والغريب أن قطاعا لا يستهان به من المجتمع كان يناقش تفاصيل هذا المشهد باعتباره شكلا "تراثيا" من العقاب المجتمعي وشبهوه بوضع المذنبين في وضع مقلوب على حمار و"تجريسهم" في الشوارع كنوع من العقاب الرادع والمقبول.

 
الأمر لايختلف كثيرا عن الدفع بنماذج مشوهة تفتقد للجمال الحسى والمعنوي وتقديمها في هالة من الإبهار والنجومية- حتى لو كانت في سياق مرفوض ظاهريا- أولا عبر" السوشيال ميديا" ومع الشهرة التي تحققها هذا الحالة الشاذة يتم التبرير لتقديمها عبر وسائل الإعلام العادية من خلال الإعلانات, لتصبح شيئا فشيئا جزءاً من الواقع الإعلامي ومن ثم المجتمعي, وهو أمر يحدث ببطء وعلى نار هادئة منذ سنوات وتحققت أهدافه بدرجة كبيرة, وبدأت الدراما في تقديم هذه النماذج أبطالا للدراما العادية آخرها مسلسل يومي من مسلسلات الموسم الرمضاني لواحد من هذه النماذج التي تذكرنا بنوع من التوابل!. 

                                     صناعة التفاهة

أضف إلى ذلك هوجة أخبار وفعاليات وأحداث في حياة "البلوجرز" و"جرائمهم" والترويج لها, وتدعيم "صناعة التفاهة" كهدف فينشغل الناس بمن فعل ماذا, أو كيف يحدث هذا الموقف, والنتيجة المباشرة أن المجتمع يستهلك طاقته في القيل والقال,و"الحواديت" التي تبدو مسلية بدلا من التركيز في الأحداث والمواقف الجادة ومناقشتها, أو حتى الانشغال بالبناء أو العلم وتطوير الذات, بما يمثل جزءاً من عملية إلهاء واسعة للشعوب بالغرائب كوسيلة قديمة ومتجددة للسيطرة وفرض التبعية "الحضارية" من خلال ضرب "القدوة" و"الثوابت" , تكرار نشر الرذيلة والجرائم لتوصيل رسالة ضمنية إن "الكل بقوا كده"، بما يفقد الأجيال الجديدة  الأمل في النماذج الجيدة والمجتهدة, ويكسر هيبة الثوابت الدينية والأخلاقية في نفوس الناس ويدمر السلم المجتمعي, ثم تأتي المرحلة التالية والأهم في رأيي وهى احتفاء جهات غير مصرية بهذه النماذج و"تأطيرها" كممثلة للفن- وبالتالي المجتمع المصري-, وبعد أن كانت القوة الناعمة لمصر نماذجا من نجوم وأساطير الثقافة والغناء والموسيقى والتمثيل الراقي من نجيب محفوظ ويوسف إدريس وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وفاتن حمامة ويوسف وهبي وعبد الحليم حافظ أصبحت نجوم ما يسمى بالمهرجانات والتمثيل الهزلي والسينما التجارية الذين تحتفي بهم "جهات ما" غير مصرية، وتقدم لهم أغلى الهدايا في الوقت الذي لا تبرز من مجتمعاتها إلا كل ماهو جيد ومقبول.  

إننا أمام حالة سلبية تمثل في اعتقادي جزءاً من خطة ممنهجة لتغيير قواعد وأسس بناء المجتمع المصري فلم يعد الأمر مجرد حادثة عابرة هنا أو فضيحة  هناك، لكنه أصبح نوعا من "الجريمة الإلكترونية" التي تقتحم بيوتنا وعقول أطفالنا كلما فتحنا شاشات هواتفنا, فما يحدث ليس مجرد نتاج أحداث عفوية نتيجة عصبية لشاب أو فتاة في لحظة غضب، أو سلوكا مشينا يتم بشكل فردي, لكنه يشير بأصابع الاتهام نحو عملية منظمة لجهات من خارج الحدود تهدف إلى غسل الأدمغة, ومسح أو تفكيك الروابط الاجتماعية والأخلاقية, من خلال كثرة الفيديوهات المثيرة من هذه النوعية التي تجعل من الأفعال الشاذة أمرا معتادا ومقبولا, و "تطبيعا" بطيئاً عن طريق آليات وأحداث تستند في خلفيتها إلى قواعد معروفة لعلم النفس، وهو في جانب منه من أهم أهداف التطبيع مع "الرزيلة التي تجاورنا"- تطبيع لم يحدث رغم كل المحاولات على أي مستوى- فقرر الراغبون فيه أن يكون مصالحة مع القبح والشذوذ والسلوكيات الغريبة على مجتمعنا, من خلال كسر الحواجز النفسية بيننا وبين الخطأ بشكل عام والمجتمعي والأخلاقي منه بشكل خاص بهدف اعتياد المجتمع على الرذيلة فلا ينكرها، وأن يألف الجريمة فلا يخشاها بل ويناقش أسبابها بكل برود.

 
                                             ممنوع "الشير"!

والحقيقة أن هذه "الحرب الناعمة" أو "غسيل دماغ المجتمع" شكل من أشكال الحروب الحديثة التي تحذر منها أجهزة الدولة الرسمية, وهى حروب تقع عبر استراتيجيات واضحة لتطبيع الشذوذ من خلال استخدام مايسمى ب "نافذة أوفرتون"، وهو مفهوم سياسي واجتماعي في غاية الذكاء والإثارة ينسب للسياسي والأكاديمي الأمريكي "جوزيف أوفيرتون", تمت الاستفادة منها في مجالي الإعلام والدراما من خلال عرض فكرة معينة- مرفوضة مجتمعيا- في "السوشيال ميديا"، الأفلام والبرامج ووسائل الإعلام بترتيب وتدرج مدروس حتى يألفها الناس وتخرج من دائرة "المحرمات" وتدخل النافذة "نافذة الأفعال المقبولة مجتمعيا" بما يعني تحويل الأفعال والأحداث المقززة والمرفوضة إلى أفعال ومواقف مقبولة في المجتمع من خلال طرحها بالتدريج فتصبح مع مرور الوقت عادية, منهج واضح يبدأ بنشرالحوادث الغريبة والنادرة بكثافة وفي إطار مثير يدفع بها- تبعا للخوارزميات- إلى سطح الأخبار، لتحدث في البداية صدمة كبيرة للجمهور, ومع الوقت والتكرار والتنوع يبدأ المجتمع في التعود ثم المناقشة من خلال ما يمكن أن يكون جهات ولجان منظمة تقود هذا التفاعل, وينقسم الناس حول الحدث الذي يصبح في النهاية جزءاً من الواقع حتى وإن كان مرفوضا لمرحلة من الزمن, في عملية تدمير ممنهجة لمنظومة القيم التي ينبني عليها المجتمع.

في النهاية يجب التأكيد على مبدأ العقاب القانوني لكل من ينشر ما يمكن أن يعتبره الذوق العام سلوكا مشينا, أو تجاوزا للأعراف والتقاليد والقيم التي تعارف عليها العقل الجمعي, كما أن كل فرد يمكن أن يكون جزءاً من مواجهة هذه الحرب الضروس ضد الوطن والدولة لانها تهدف لخلق مجتمع مشوه وضعيف لايقوى على مواجهة التحديات, وذلك من خلال عدم التفاعل سواء بالمشاركة أو التعليق حتى لو كان سلبيا لعدم مساعدة "خوارزميات" الفضاء الإلكتروني على الترويج لهذه المشاهد, ودعم المحتوى الإيجابي فقط، لأن كل "شير" هو رصاصة في قلب المجتمع.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية