تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

في منتصف العشرينيات من القرن الماضي ظهرت "موجة" الإذاعات الأهلية التي استمرت حتى منتصف الثلاثينيات, وكانت تقدم خلال ذلك العقد نوعا من الإعلام الشعبوي البعيد عن أية قواعد أو معايير مهنية, وحقق العديد من "روادها" شهرة كبيرة في مرحلة لبس فيها المغامرون والهواة ثوب الإعلاميين في عمل جماهيري كان رغم محدوديته يتم "بالبركة" وبإمكانيات بسيطة جدا- جهاز إرسال مستعمل يوضع فوق السطوح وبالكاد يغطي أثيره حيا صغيرا وقول "يامعلم"- ..

كان صاحب المحطة هو المذيع والمعد والمدير وعامل البوفيه, والتمويل من الإعلانات المباشرة أو إهداءات الأغاني مقابل قرش صاغ مثلا, أما المحتوى فحدث ولا حرج سهرة مفتوحة من كل لون, و"رغي" طويل لمذيع يجلس أمام الميكروفون ويحكي قصصا شخصية وحواديت مسلية، أو يذيع اسطوانات, أو معارك كلامية بين أطراف مختلفة- معلمين وتجار-, أو بين المحطات ذاتها, أو حتى مساعدة تجار المخدرات ب"شفرات" الأغاني في "تهريب" البضاعة كما حدث في القصة الشهيرة لراديو حبشي.

ما أشبه الليلة بالبارحة!

لأن هؤلاء- في اعتقادي- هم الأجداد الروحيون لأشهر صناع محتوى "التيك توك" اليوم، والفرق الوحيد أن أصحاب ومذيعي المحطات الأهلية كان الواحد منهم يرتدي الطربوش ويجلس أمام ميكروفون بدائي في شقته أو حتى على السطوح "وقول يا اسطى"!، بينما "إنفلونسر" اليوم يرتدي السماعات اللاسلكية ويجلس أمام "رينج لايت" في ديكور بسيط  في البداية- أو مبهر بعد تدفق الدولارات-,.. كلاهما اكتشف سر اللعبة " تحدث ببساطة وارتجال واقترب من الناس وخاطبهم بلغتهم،  عبر عن ثقافتك مهما كانت متدنية, امنح الجمهور شعوراً بأنك واحد منهم "غلبان مثلهم"، وستمتلك آذانهم وقلوبهم (وجيوبهم أيضاً)، لذلك فإن "السوشيال ميديا" اليوم تمارس نفس الدور الذي لعبته الإذاعات الأهلية بالضبط؛ فهي تكسر التابوهات الاجتماعية والإعلامية، وتسمح لفئات من قاع المجتمع بأن تصبح نجوما,

والنتيجة في الحالتين تلوث سمعي وبصري وتراجع قيمي يضرب قلب وثوابت المجتمع, ومن هنا فإن أصوات الغناء الشعبي المبتذل، والشتائم المتبادلة، وإعلانات الدجل، والقصص الإرتجالية التي كانت تبثها الإذاعات الأهلية لم تعد مجرد ذكرى عابرة في تاريخ الإعلام المصري، لكنها ربما كانت "البروفة" الأولى لما نعيشه اليوم في فضاء "السوشيال ميديا" الذي يمكن بكل أريحية أن نسميه عصر "اللاسلكي الثاني"، حيث تبدلت مؤشرات أجهزة الراديو القديمة بخوارزميات الذكاء الإصطناعي، لكن الفوضى الناتجة عن هذه الظاهرة هى نفس الفوضى بكل ملامح الجهل التي ميزت المرحلتين حيث كان الإعلام بشقيه الترفيهي والمعلوماتي حكرا قبل ظهور الإذاعات الأهلية على الصحافة الورقية التي تسيطر عليها النخبة، أو المسارح الكبرى ودور السينما التي كانت تحكمها بشكل أو بآخر بعض المعايير,

لكن مع دخول أجهزة البث البسيطة في نهايات الحرب العالمية الأولى حدث التغير الكبير الأول في الإعلام المصري, حيث امتلك الهواة "الميكروفون" وأطلقوا العنان للتعبير عن ذواتهم كل على مستوى ثقافته مهما كانت متدنية أو سوقية تماما كما يحدث الآن عبر "السوشيال ميديا".

                                         راديو فيولا

والحقيقة أن هذا التشابه هو حجر الزاوية بين الفترتين حيث كان يكفي في مرحلة الإذاعات الأهلية أن تشتري جهاز إرسال بسيط وتضعه فوق سطح منزلك لتصبح صاحب وسيلة إعلامية بلغة العصر, وكان يمكنك من محطتك الإذاعية ان تخاطب الآلاف في المنطقة التي تعيش فيها, وهو نفس ما يحدث الآن لكن مع الفارق التكنولوجي الذي بدل جهاز الإرسال البسيط والبدائي بالهاتف الذكي يجعلك صاحب "قناة" تخاطب الملايين, وفي الحالتين سقطت أهمية الوسيلة الإعلامية وفقدت بريقها, ولم يعد مقدم الخدمة الإعلامية هو ذلك الشخص المثقف ذو الصوت الرخيم واللغة العربية الفصحى أو الصحفي المجتهد خريج الجامعة الذي يمر عبر فترات تدريب واختبار صارمة، بل أصبح- في أحسن الأحوال-  جارك في المنزل أو الشارع أو حتى القرية، مراهقا أو مراهقة يتفنن كل منهما في فرض أسلوب حياته على معجبيه، أو أم رزان أو أم شيماء صاحبة القصص الغريبة, أو سوزي الأردنية, وكروان مشاكل, وسلمى سلومة أو غيرهم من النماذج التي أطلت علينا من عالم "السوشيال ميديا" الذي لم يختلف كثيرا في المحتوى والمستوى الثفافي عن "راديو فيولا" و"راديو سابو"، وراديو "فاروق" حيث المعيار في الحالتين ليس "الكفاءة" لكن القدرة على جذب الإنتباه وصناعة "الترند" حتى لو كان من خلال "لثغة" أو نوع من أنواع المرض النفسي أو في أحوال عديدة تخلفا ذهنيا !.
وكما يحدث اليوم تماما كانت الإذاعات الأهلية تعيش على ما نسميه حاليا "السبونسر" أو الراعي  وإن كان بصورة بدائية بلا عقود أو اتفاقات أو حتى سياسة إعلانية, فقد كانت الإعلانات تهاجم الناس في بيوتهم وعلى المقاهي بعفوية فجة تصل إلى حد الابتذال المضحك شكلا ومضمونا, لدرجة أن المذيع كان يقطع أغنية لزكريا أحمد أو صالح عبد الحي أو مقطوعة موسيقية أو حتى حديثا جادا ليقول بلهجة شعبية: "يا حضرة المستمع، لو رجلك بتوجعك روح لعيادة الدكتور فلان في عطفة كذا، ده جراح ملوش زي", وهو ما يمكن أن نسميه البداية الحقيقية للفواصل الإعلانية المزعجة على الشاشات، أو "البلوجر" الذي يعلن عن أقراص للتخسيس وهو يعلم أنها مجرد مسحوق عديم القيمة, كانت الفوضى الإعلانية في الإذاعات الأهلية تروج أيضا للأدوية المغشوشة والدجالين الذين يدعون جلب الحبيب "باللاسلكي"!

والشيخ الذي يقرأ الطالع عبر الأثير، وهو تماماً ما نراه اليوم في "بثوث التيك توك" التي تروج لتحديات تافهة ومتدنية أو لعملات رقمية مشبوهة, أو عمليات تسول فجة, والمحرك واحد في الحالتين وهو غياب الرقابة الرسمية الذي يفتح الباب أمام الجشع التجاري الذي يستهدف أحلام البسطاء ويستخدم في ذلك بسطاء آخرين من نجوم جدد محدودي الثقافة وأحيانا الفهم!

                                          "ردح"إعلامي!

ولأن الظواهر المجتمعية تتكرر فإن ظاهرة "البيف" أو "الردح" بين اليوتيوبرز والبلوجرز اليوم ليست نتاج "السوشيال ميديا" فقط لكنه أيضا حالة قديمة كانت تستخدم في عصر الإذاعات الأهلية لجذب الانتباه وتغذية الفضول البشري بالفضائح والصراعات المباشرة, حيث كانت "المعارك تجري لاسلكيا وعلى الهواء مباشرة نظرًا لتداخل الترددات, وعدم وجود تنظيم من الدولة فتشوش محطة "راديو فاروق" مثلا على محطة "مصر الملكية", وكان أصحاب المحطات يتبادلون الشتائم "على الهواء في فواصل من "الردح" الشعبي الذي يشارك فيه المذيعون والمطربون، وأحياناً يدخل المستمعون على المقاهي في المعركة وكله على الهواء!, وبينما كان التشويش "تقنياً" في الماضي يقتصر على رفع قدرة جهاز الإرسال لإخفاء صوت المنافس، فإن التشويش حاليا يتم عن طريق "الخوارزمياًت" عبر محاولة إسقاط القنوات بالبلاغات الجماعية، أو صناعة فيديوهات ردود "ردح" وتلاسن لركوب موجة التريند الخاص بالخصم, أو حتى الرد المباشر بلا أي ضوابط مجتمعية أو أخلاقية.

وكما كانت الإذاعات الأهلية في مرمى نيران النقد بسبب ما نتج عنها من فوضى أخلاقية واجتماعية عبر كسر التابوهات  من خلال السلوكيات غير المنضبطة على الهواء مباشرة, وماكانت تبثه من أغان و"طقاطيق" بكلمات جريئة لم تكن تجرؤ الاسطوانات الرسمية على تسجيلها، وتسمح بظهور شخصيات شعبية ومونولوجستات يستخدمون لغة "الشارع" بكل مافيها من فجاجة وتجاوز للقيم المجتمعية في ذلك الوقت, وفي المقابل فإن نجوم "السوشيال ميديا" اليوم يمارسون نفس الدور بالضبط من كسر للتابوهات الاجتماعية، وأغلبهم لا يصلح للظهور الإعلامي لكن الواقع الردئ جعله في قلب الحدث, وكما كانت  دعاوى الحرية الإعلامية في عصر الإذاعات الأهلية فإن نفس هذه الدعاوى تطل في عصر "السوشيال ميديا" ولذلك فإن نقد النخبة والمثقفين للإذاعات الأهلية هو نسخة طبق الأصل من نقد المثقفين اليوم لمهازل "التيك توك" باعتبار أن كلاهما يعبر عن ثقافة "القاع" التي وجدت متنفساً تقنياً بعيداً عن الإعلام الرسمي أو حتى الخاص المقنن الذي يسعى دائماً لتقديم صورة مثالية عن المجتمع.

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: ماالذي يدفع الناس لمتابعة "فقاقيع السوشيال ميديا" وتغذية حالتهم بالمشاهدات واللايكات وبالتالي المكاسب المادية, ولماذا نترك اليوم الإعلام التقليدي بكل مايضم من إبهار وأعمال فنية ونجوم لنشاهد "بثاً مباشراً" لأم "أي حد" وهى تتقمص دور "قائدة " رأي عام أو حتى تتحدث بعفوية من مطبخها ؟ نفس هذا السؤال قديم أيضا لماذا كان الناس يتركون الاسطوانات المسجلة لشركة "بيضافون" مثلا ذات الجودة العالية ويستمعون لإذاعات أهلية مليئة بالشوشرة والضجيج؟ والجواب يكمن في العفوية والبدائية البعيدة عن المحتوى المعلب على الشاشات, الإذاعات الأهلية كانت تقدم الحياة كما هي  بصوت بائعي الخضار وصياح أطفال الشوارع في الخلفية، وحتى أصوات المشاجرات العائلية التي قد تظهر بجانب الميكروفون, نفس هذا "القرب الإنساني" هو المحرك الفعلي للسوشيال ميديا اليوم والتي تقدم بديلا مليئا بالحيوية والتدفق حتى لو كانت مغلفا بالقبح أو الفوضى، هرباً من زيف الإعلام الرسمي المنمق الذي يشعرنا دائماً بأنه يخاطبنا من برج عاجي..إن المقارنة بين فوضى الإذاعات الأهلية وفوضى "السوشيال ميديا" تقودنا إلى نتيجة واحدة هى أن تكنولوجيا التواصل الإنساني تتغير بسرعة البرق، لكن الغرائز البشرية ثابتة لا تتغير، نحن مجتمع يحب الكلام، ويحب الشهرة ويسعى إليها البعض بكل الطرق حتى لو كانت مبتذلة، نحن مجتمع يحب مراقبة حياة الآخرين بكل فضول، كما يفتقد الكثير منا أيضا لفضيلة الخصوصية. 

                                        حالة مستعصية

مالحل؟.. في 29 مايو 1934، ضاقت الحكومة ذرعاً بهذه الفوضى التي بدأت تهدد الأمن العام والذوق العام أيضا، لم يكن السبب إعلاميا فحسب، بل كان الهدف الحفاظ على قيم المجتمع وما يمكن تسميته بالسلم الأهلي  في ظل إذاعات ووسائل إعلامية خارج السيطرة تماما- كما التيك توك- وكان الحل في حينها هو رسمنة الإذاعة وامتلاكها لتصبح فقط في يد الحكومة فتعاقدت مع شركة "ماركوني" البريطانية لتأسيس "الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية"، وأصدرت قرارا جريئا وتاريخيا بمصادرة كافة أجهزة الإرسال الأهلية وإغلاق المحطات فورا, بما شكل نهاية قاسية وعادلة لقوى استمرت ما يقرب من عشر سنوات, وهنا يظهر الفرق الجوهري والوحيد الذي يجعل أزمة السوشيال ميديا حالة مستعصية على الحل, ففي الثلاثينيات كانت "السيادة" تكنولوجية وجغرافية, حيث كان يمكن للحكومة أن تصادر أجهزة الإرسال بل وتتبعها وتغلقها لتنهي المشكلة تماما، أما اليوم فنحن أمام "فوضى عابرة للقارات"، والسيرفرات في أوروبا والولايات المتحدة والمستخدم في أقصى صعيد مصر، والقانون محلي محدود بحدوده الجغرافية، ولذلك فإن محاولات الدول اليوم لتنظيم "السوشيال ميديا" تشبه محاولة "حبس الهواء في قفص"،  ولا يمكن لقرار "سيادي" واحد أن يغلق "التيك توك" كما أغلق "راديو سابو" وراديو "فاروق" وراديو "حبشي"، لأن المنصة اليوم ليست "جهازاً" مادياً بل هي "بروتوكول" واتصال عالمي يتجاوز مفهوم الدولة الوطنية.

لكن الأمر الآن يختلف كثيرا, فالحل في عصرنا ليس في "الإغلاق والمصادرة" كما حدث في حالة الإذاعات الأهلية، بل في الارتقاء بالوعي المجتمعي واقتراب وسائل الإعلام التقليدية أكثر من الناس, ففي عالم الاقتصاد تطرد العملة الرديئة العملة الجيدة، وهى قاعدة يمكن عكسها في عالم الإعلام بأن يرتفع المحتوى القوي ليطرد "غثاء التريند" ..إن فوضى اللاسلكي القديمة فرضت حلولا تتعلق بضرورة التنظيم لاستمرار  وتطوير ذلك الإعلام وجعله أكثر فاعلية ولو بقرارات حاسمة، لكن فوضى الإنترنت اليوم تعلمنا أن "المستخدم" أو الجمهور هو الرقيب الوحيد الذي يملك زر الإغلاق الحقيقي في عقله قبل إصبعه.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية