تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الأعلى "لُغدا" !


"أنا الأضخم حجما والأكبر "لُغدا" في دراما رمضان 2026 بلا منازع .. وبالأرقام"..بهذا التعليق الساخر عبر الفنان الكوميدي إسلام ابراهيم عن حال التنافس الحقيقي بين فناني الدراما الرمضانية, وصراعهم "الضروس" على تصدر "الترند" الذي يصل أحيانا إلى حد التجريح الشخصي- كل حسب طريقته و"بيئته" الثقافية- في "غابة" المسلسلات التي يتعثر فيها المشاهد كل ليلة على مختلف الشاشات الفضائية بما يتجاوز طاقة أي متفرج على الاستيعاب, أو حتى مجرد معرفة أسماء المسلسلات التي تجاوز عددها العشرات إلى جانب البرامج المختلفة التي تعد خصيصا للشهر الكريم.
والحقيقة أن صراع "الترند" الذي شارك فيه عدد من الفنانين وشغل قطاعا لا يستهان به من الجمهور لدرجة دفعت نقيب الممثلين د. أشرف زكي لإصدار بيان لتهدئة الموقف الذي اشتعل بين النجوم والمشاهير و"كل له لجانه ومريديه", هذا الصراع الجدلي ساهم بدوره في التأكيد على "ضحالة" المادة الدرامية المقدمة والحكايات المكررة لنفس الأبطال والنجوم لكن بأسماء وشخصيات مختلفة بسبب النمطية "المريحة" التي تقود عمل صناع الدراما من باب "اللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفوش"؛ فما أن تنجح تيمة أو حبكة معينة حتى يلجأ الجميع لتكرارها في الموسم التالي مباشرة, ولذلك نجد كل عام نفس الأفكار والنسخ " المشوهة" لنفس الأبطال ونفس الموضوعات التي لا تخرج عن نطاق موضوعات و"تيمات" معينة قد لا يكلف القائمون عليها أحيانا تغيير معالجتها الدرامية بشكل يعطيها شيئا من الجدة والتطوير, وكأن هناك "كتالوج" سريا يحدد الموضوعات المطلوبة لكل عام دون تغيير.
وبالتالي فإن قصص الأعمال الدرامية في رمضان لا تخرج بعيدا عن أفكار معروفة مثل البطل المظلوم الشهم "الجدع" الذي تقع في غرامه كل نساء المسلسل " رغم بلطجته وعنفه", والذي يقرر فجأة أن يتحول إلى "منتقم" لا يقهره أحد "حرفيا" ولا حتى المخرج!, أو العائلة الثرية التي لا يعرف لا المشاهد ولا البطل- وربما المؤلف أيضا-! كيف وصلت إلى كل هذا الثراء وما هي "الأعمال" التي حققت كل هذا المال "السايب" الذي يتسبب في صراعات مكررة حول الميراث والشركات التي لا تنتهي في "فلل" وقصور و"كومباوندات" يسيل لها لعاب المشاهد وقد يعيش فيها أحلام يقظته, البطلة المظلومة التي تتحمل ما لا يطاق من الأذي والذي يمكن في أحيان كثيرة تلافيه وتجاوزه من خلال استكمال مشهد بشكل صحيح- مهنيا- أو جملة حوار واحدة تكشف المستور الذي أخفاه الجميع عن البطل أو البطلة, لكن المؤلف يأبى أن ينقذ الموقف إلا في النهاية وإلا انهار العمل كله وانهارت معه "السبوبة", الحارة أو المنطقة الشعبية التي تقدمها الدراما من كوكب آخر لأنها موجودة فقط في خيال المؤلف بصورة "فانتازية" بعيدة كل البعد عن واقع الناس وهمومهم الحقيقية أو مبالغة شديدة وفجة فيها, الإضطرابات النفسية التي تتلبس بطل أو بطلة العمل دون عمق أو مراجعة علمية وغيرها من الموضوعات في تكرار لا يقتل الإبداع فحسب، بل يأخذ من رغبة واهتمام المشاهد بالفرجة والمتابعة- إلا لقتل الوقت- بعد أن  بات يسبق الأحداث, ويتوقع النهايات منذ الحلقات الأولى ويعرف من خبرته متى ستحدث نقطة التحول المعتادة في كل عمل.
                         
اللافت للنظر أن زحام الدراما الرمضانية حول العملية الفنية ذاتها من تنافس حول الجودة والإبداع إلى صراع بقاء للأكثر ضجيجا من خلال صراعات "الترند" التي تبدو في كل الأحوال بلا علاقة مع أحداث العمل الفني, حيث يقف المشاهد الذي تهاجمه حواديت و"تلقيح وتلاسن" النجوم وكأنه أمام مائدة عامرة بالعديد من الأطباق لكنه لا يجد الوقت الكافي ليستمتع أو حتى يتذوق أيا منها بتركيز, وأصبح المشهد المعتاد كأيقونة في كل بيت لأي "مواطن رمضاني مسلسلاتي" هو لرجل خمسيني أو سيدة أو شابا  يمسك في يده "ريموت كنترول" يتنقل به بين القنوات لمتابعة مشهد هنا أو لقطة هناك متجاهلا "بكل قسوة" أمواج وصراخ إعلانات تمنع أي تدفق درامي ويدرك منتجوها ودافعوا أثمانها أنها والعدم سواء, ولا يشاهدها أحد للدرجة التي قد تشك فيها- كمشاهد عاقل- أن هذا الإسراف الإعلاني لا يعدو أن يكون صورة من صور "غسيل الأموال" المقنن والنتيجة أن الدراما فقدت "هيبتها" القديمة وتأثيرها الذي كان قويا على وجدان الجمهور وهى حالة تبدو عملية استعادتها مرة أخرى ضربا من دروب الخيال "الدرامي"!
قبل سنوات قد تتجاوز العشر أو أكثر كان هناك إطارا واضحا للدراما الرمضانية يدركه صناعها ومنتجوها "المتنوعون" جيدا بداية من اختيار الأبطال ونهاية بـ"تنويعة" الموضوعات والأفكار التي يعكف "ملوك الورق" من كتاب السيناريو ونجومه في ذلك الوقت على مدار موسم كامل في اختيار الفكرة والإعداد لها مابين الاجتماعي والكوميدي والتاريخي والديني ونهاية بالتنفيذ ومساحة العرض بالطريقة التي تجعل من هذه الدراما "المصروف عليها" عملا فنيا مؤثرا.. أبطال الدراما التليفزيونية كانوا معروفين بالاسم حيث كان اختيار هؤلاء الأبطال عملية دقيقة تحدد نجاح المسلسل أو سقوطه فنيا منذ البداية في عصر لم تكن فيه "السوشيال ميديا" قد ولدت بعد, وهو الأمر الذي اختلف تماما في السنوات الأخيرة التي أصبح فيها اختيار النجوم بناءً على معايير أخرى أهمها "الترند" وجماهيرية النجم على وسائل الإعلام الجديدة حتى لو كان من خلال صورة سلبية, بينما تبقى الملاءمة للدور من حيث السن أو الشخصية أو الموهبة أو القبول في أدنى درجاتها, في عملية تبدو "مصنوعة" من أولها لآخرها, خصوصا في ظل شبه احتكار العملية الإنتاجية وتغول وسيطرة "السوشيال ميديا" ولجانها التي قد تدفع بأشخاص يفتقدون لأدنى درجات الموهبة- أو حتى القبول- لبطولة أعمال فنية فيصبحون فيها مثل نقطة في "بحر" مع مشاركة نجوم لهم تاريخهم الفني في أدوار ثانية في نفس العمل.  

ورغم ذلك فإن الصورة ليست قاتمة تماما ومع صعوبة وربما استحالة متابعة كل الأعمال فإن الشاشة الرمضانية لم تخل من أعمال ومسلسلا جيدة ونجوما بذلوا جهدا حقيقيا من أجل تقديم دراما متميزة منها على سبيل المثال "عين سحرية" و"توابع" و"النص التاني" وغيرها, كما أن الاتجاه مؤخرا إلى تقديم المسلسلات القصيرة التي لا تتجاوز 15 حلقة هو اتجاه محمود يمثل تطورا إيجابيا للدراما التليفزيونية, وباستثناء الأعمال التاريخية أو الملحمية فلم يعد المشاهد يمكنه أن يتحمل متابعة مسلسل من 30 حلقة, يدرك جيدا من خلال خبراته أن فكرته لا تستحق كل هذا العدد من الحلقات أو المدة الزمنية لأحداث مترهلة وبلا أي دور في البناء الدرامي, يبقى أن تعود الدراما إلى الواقع بصورة انتقائية لتقدم مشاكله الحقيقية, ولا "تخترع" موضوعات وأعمالا فنية تقوم في أساسها على موقف فردي صنعت منه "السوشيال ميديا" حدثا من " ورق", وذلك من خلال تقديم أجيال جديدة من كتاب القصة والرواية لأنهم أقدر على صناعة الحبكة الدرامية, وتكثيف عمل "ورش الكتابة" المحترفة التي توفر تبادل الأفكار ومراجعة كل جملة حوار, وتساهم في  تماسك القصة من بداية المسلسل حتى نهايته, وأخيرا الخروج بالأفكار وبالكاميرا بعيدا عن استديوهات الديكورات الفارهة والقصص المكررة التي تدور في "الكمباوندات" أو "العشوائيات والحواري المبالغ فيها"، والعودة لتقديم دراما إنسانية تمس الطبقة المتوسطة رغم تراجع وجودها واقعيا، وأخيرا العودة من جديد إلى التوثيق والسير الذاتية والدراما التاريخية والدينية أيضا لكن في ثوب عصري؛ فالجمهور الذي احتفي ببرنامج ديني مثل " دولة التلاوة" وصعد به إلى قمة الجماهيرية يمكن أيضا أن يقبل ويحتفي بعمل دينى محترم يمس وجدانه بصدق, ويصنع منه "ترند" لكن هذه المرة بصورة حقيقية وموضوعية ومستحقة.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية