تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

مجلس سلام ترامب

فى مشهد يختلط فيه الخيال السياسى بجرأة المغامرة، طرح دونالد ترامب مشروعا يتخطى الأمم المتحدة التى تخارج من الكثير من منظماتها، من اليونسكو إلى وكالة غوث اللاجئين، ويلغى فى الواقع مجلس الأمن، وذلك بإنشاء كيان بديل سمّاه «مجلس السلام»، يحتكر ترامب وحده حق اختيار أعضائه، ويمنح نفسه سلطة تقرير من يُقبل ومن يُقصي، وفكرة كهذه، تكشف عن تصور مقلق لطبيعة النظام الدولي، القائم على الشخصنة لا على التعددية، وعلى الإرادة الفردية لا على الشرعية الجماعية، فمنذ تأسيس الأمم المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية، ظل مجلس الأمن بكل عيوبه واختلالات توازنه، رمزًا لمحاولة تنظيم الصراع الدولى ضمن قواعد مشتركة، ولو كانت غير عادلة أو خاضعة لهيمنة الكبار، أما القفز فوقه بإنشاء «مجلس سلام» يُدار بإرادة رجل واحد، فمعناه العملى نسف فكرة القانون الدولى من أساسها، وتحويل السلام من قيمة إنسانية مشتركة إلى أداة فى يد قوة واحدة تُكافئ من تشاء وتعاقب من تشاء، وخطورة الطرح لا تكمن فقط فى استهانته بالمؤسسات الدولية، بل فى منطقه العميق: منطق الاستبدال بدل الإصلاح. فبدلاً من الدفع نحو توسيع مجلس الأمن، أو تعديل حق الفيتو، أو تمثيل الجنوب العالمى تمثيلا أكثر عدلا، كما يطالب المجتمع الدولي، يقترح ترامب ببساطة خلق كيان بديل، أكثر ضيقًا، وأكثر خضوعًا لأهوائه السياسية، إنه منطق الإمبراطوريات القديمة، حين كانت التحالفات تُنسج على موائد القصور، لا فى قاعات مفتوحة للأمم، ثم إن «مجلس السلام» المقترح، بحكم تعريفه، يحمل تناقضًا داخليًا: كيف يكون مجلسًا للسلام وهو قائم على الإقصاء والاصطفاف؟ وكيف يكتسب شرعية أخلاقية أو سياسية إذا كان معيار الانضمام إليه هو القرب من صاحب الفكرة لا الالتزام بالقانون الدولى أو حقوق الإنسان؟ إن تلك الفكرة إنما تعكس أزمة أعمق فى النظام العالمى المعاصر، هى أزمة ثقة فى المؤسسات، وأزمة قيادة تبحث عن المجد الفردى أكثر مما تبحث عن الحلول الجماعية والاستقرار الدولي، وهى تذكير بأن السلام، حين يُختزل فى قرار فردي، يصبح هشًّا، ومهددًا، وقابلًا للانفجار فى أى لحظة.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية