تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
ضمير الفنان
فى لحظة فارقة تتجاوز حدود الموسيقى إلى رحاب الضمير الإنساني، أعلن قائد الأوركسترا العالمى زوبن مِهتا مقاطعته إسرائيل وإلغاء جميع ارتباطاته بأوركسترا إسرائيل السيمفوني، ليكتب بذلك فصلاً جديداً فى سيرة فنية وأخلاقية استثنائية، وزوبن مهتا هو أكبر قائد أوركسترا على قيد الحياة، وطالما حدثنى عنه إدوارد سعيد ليس باعتباره عبقرية موسيقية نادرة، وإنما أيضا كصاحب ضمير حى يؤمن بأن الموسيقى والفنون قادرة على إحلال السلام بين الشعوب، ولم أفهم كيف يتعاون مثل هذا الرجل الرفيع الثقافة مع دولة احتلال عنصرية، وكأنه أجابنى بقراره هذا الذى كانت له أصداء مدوية فى الأوساط الموسيقية فى العالم، ليؤكد دور الفن حين تصطدم القيم الجمالية بقسوة الواقع الإنساني، لقد قاد زوبن مهتا (90 عاما) الهندى الأصل، أشهر الفرق العالمية، وكان المدير الفنى لأوركسترا إسرائيل السيمفونى طوال 55 عاما، وعُرف بدقته التقنية، وبقدرته على استخراج أقصى طاقة تعبيرية من النص الموسيقي، سواء فى سيمفونيات ماهلر المحملة بالأسئلة الوجودية، أو فى أوبرات فيردى المشبعة بالدراما الإنسانية، ولقد أثبت بقراره الأخير أن الفنان لا يملك ترف الصمت حين تتحول المآسى إلى واقع يومي، فكان موقفه إعلاناً بأن العلاقة بين الفن والسلطة لا يمكن أن تكون محايدة حين تُنتهك القيم الأساسية للعدالة والكرامة الإنسانية، إن إلغاء ارتباط مِهتا بأوركسترا إسرائيل السيمفونى يحمل دلالات رمزية عميقة، لأنه يتقاطع مع تاريخ طويل من التعاون الفني، ويؤكد أن الضمير قادر على أن ينتصر على الاعتياد، وأن الموقف الأخلاقى قد يكون أعظم قيمة من المجد الفنى أو الامتيازات المؤسسية، لقد بعث مهتا للعالم برسالة واضحة مفادها أن الموسيقي، وإن كانت لغة سلام، لا يجوز أن تتحول إلى ستار يُخفى خلفه الألم الإنساني، وفى زمن تتشابه فيه الأصوات وتغيب فيه المواقف، يذكّرنا هذا الموسيقى العالمى بأن الفنان لا يُقاس فقط بعدد حفلاته أو بالجوائز التى حازها، بل بقدرته على اتخاذ موقف حين يصبح الصمت نوعا من التواطؤ، وهكذا، يغدو قراره الأخير سيمفونية أخلاقية بحد ذاتها، تُعزف خارج قاعات الحفلات، وتصل أصداؤها إلى حيث يقيم الضمير الحى.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية