تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
حين يصبح التبرع بالخير فى خبر كان!!
ها قد ودّعنا شهر رمضان، شهر الخير والبركة والقيم الإنسانية، شهر التكافل والتراحم ومساعدة الفقراء والمحتاجين، والتبرع بالمال لعلاج المرضى وكفالة اليتيم، وهو ذاته الشهر الذى بفضله تتحول مصر إلى ساحة واسعة لجمع التبرعات، بدافع فعل الخير لنَيْل الأجر والثواب. وتحقيقًا لهذا المسعى تنتشر حملات تطلب التبرع بالمال فى كل مكان، بداية من الشارع، مرورًا بشاشات التليفزيون، وصولاً إلى مواقع التواصل الاجتماعى.. من قِبَل جمعيات خيرية، أو مبادرات، وأحيانًا من أشخاص غير معروفين، جميعهم يطلبون التبرعات تحت مسمى مساعدة المحتاجين أو علاج المرضى أو تجهيز موائد الرحمن.. وبينما يفتح المواطن قلبَه ومحفظته بدافع الخير؛ تأكيدًا لحالة نبيلة من العطاء ينفرد بها هذا الشهر الكريم، يتميز بها المصريون.. يلح علىَّ سؤال لا يجب بأى حال من الأحوال تجاهله، مَن يراقب هذه التبرعات؟ ومَن هى الجهة الرسمية المنوط بها مراجعة ومحاسبة تلك الجهات التى تحصل على هذه التبرعات؟، فكل مَن يملك أو حتى يدير مؤسّسة خيرية أو علاجية يمكنه أن يطلب تبرعات؛ مستندًا إلى عاطفة المصريين الدينية والإنسانية فى هذا الشهر الكريم، الذين لا يبخلون بمال أو بجهد، لكنهم فى المقابل لا يرون كشف حساب واضحًا يشرح لهم أين ذهبت أموالهم؟، ومَن استفاد منها؟، وكم هى حصيلة ما تم التبرع به أصلاً؟، وأعتقد أن هذا الدور منوط بالأجهزة الرسمية والرقابية فى الدولة، وعلى رأسها بالطبع وزارة التضامن الاجتماعى، التى يفترض بها الإشراف على الجمعيات والمؤسّسات الأهلية، والتأكد من أن جمع التبرعات يتم وفق ضوابط قانونية واضحة.. كما أن الجهاز المركزى للمحاسبات منوط به مراجعة الأموال والتأكد من عدم إساءة استخدامها أو توجيهها فى غير الغرض الذى جُمعت من أجله؛ خصوصًا أن الواقع يشير إلى أنه فى بعض الأحيان توجد فجوة بين حجم الأموال التى يتم جمعها، وحجم المنصرف منها للصرف على أوجه الخير الذى من أجله حصلت تلك الجهات على التبرعات.. بعد أن تبين أن بعض الحملات تنطلق دون تراخيص واضحة، وبعض المبادرات تجمع تبرعات نقدية أو عينية دون إعلان آليات صرفها، أو حتى تقديم كشوف حسابات شفافة.. وفى ظل هذا الغموض؛ قد تضيع حقوق المتبرعين، وقد يُحرَم المحتاج الحقيقى من نصيبه.
بالمناسبة؛ سبق أن تم جمع تبرعات مالية من قِبَل بعض الجهات، ثم اتضح بعد ذلك أنه تم صرفها فى عمل دعاية تتكلف (الشىء الفلانى)، كان من الأجدر صرفها على الخدمات التى تقدمها تلك الجهات؛ بل إن بعضها أنتج مسلسلات درامية وإنشاء استوديوهات لتصوير أعمال فنية، بعيدة كل البعد عن أوجه نشاطها.. ناهيك عن صرف مرتبات وبدلات مغالى فيها للمقربين والحبايب، وذلك راجع إلى عدم تقديم كشوف حساب توضح أوجه صرف هذه التبرعات.. مما يؤدى فى النهاية إلى ضياع حق المتبرع فيما تبرع به من أجل فعل الخير.. وبالتالى ضياع حق المحتاج الحقيقى من نصيبه فى هذا الخير.
وهنا؛ أنا لا أتحدّث عن الجهات الجادة التى تحصل على هذه التبرعات؛ ولكنى أنوّه عن الجهات التى تلعب على مشاعر الناس لتحقيق مكاسب غير مشروعة.. وكشف تلك الجهات يقع على عاتق الجهات الرسمية والرقابية، حتى يعلم المتبرع حقيقة صرف ما تبرع به.. تلك هى الشفافية التى نريد أن نعلى من قيمتها فى مجتمعنا؛ خصوصًا فى العمل الخيرى، حتى نضمن استمراره وتعظيم دوره، أمّا فى حال غيابها فسوف يتحول جمع التبرعات من عمل إنسانى نبيل إلى ملف ملتبس، قد تختلط فيه النوايا الطيبة بالمصالح الخاصة.. لنجد مَن يطالبنا بالتبرع لبناء مسجد شبرا الذى لم ينتهِ تشييده منذ 30 سنة أو أكثر.. وهذا تحديدًا ما يحدث حين لا تُعلن ميزانيات واضحة، ولا تُنشر تقارير دورية عن حجم الأموال ومصارفها، حينها سوف يصبح المجال مهيأً لكل أنواع الاستغلال.
ومن أجل وغيره كثير لم تعد حماية أموال التبرعات ترفًا إداريًا؛ بل مسئولية أخلاقية وقانونية؛ لأنها جُمعت باسم الفقراء والمرضى والمحتاجين، وأى تقصير فى متابعتها أو محاسبة القائمين عليها يعد فى الحقيقة تقصيرًا فى حقهم قبل أى شىء آخر.. تلك هى الرحمة الحقيقية التى ننشدها فى مجتمعنا المصرى، والتى لم ولن تكتمل إلا بالمسئولية.. فالتبرعات أمانة، والمال الذى يُجمع باسم الفقراء يجب أن يصل إليهم كاملاً غير منقوص.. وبين نية المتبرع الطيبة واحتياج الفقير الحقيقى؛ تقف الرقابة الصارمة كضمانة أساسية لحماية الخير من أن يتحول إلى باب جديد من أبواب الفوضى أو الاستغلال.. وهذا ما نتمنى أن نراه فى كل رمضان وفى غيره من الشهور الأخرى، حتى نحمى الخير، ونغلق الباب لمَن يستغله لتحقيق مصالح خاصة.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية