تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > محمد أمين > مصر والسعودية "القلب الصلب" للأمن القومي العربي

مصر والسعودية "القلب الصلب" للأمن القومي العربي

في الوقت الذي يقف فيه الإقليم على حافة تحولات كبرى، وسط حالة من التوجّس والاضطراب بانتظار "زلزال" قد يعيد رسم خرائط المنطقة وتوازناتها بالكامل، تبرز التحركات المرتكزة على العقلانية السياسية والحِكمة فى إدارة الأزمات كطوق نجاة وحيد من فوضى تضرب الأركان من كل الاتجاهات.

ضمن هذا المشهد المعقّد، تأتي الدولة المصرية بمواقفها الراسخة التي تجعل من الحفاظ على مفهوم "الدولة الوطنية" وحمايتها من التفكيك والتقسيم أولوية قصوى، معوّلةً فى ذلك على أن الحلول الدبلوماسية والسياسية تظل دومًا المسار الأنجح والأكثر استدامة مقارنة بالمواجهات العسكرية التي تخلّف وراءها المزيد من الدمار والقتل.

إن النهج المصري لا يعمل بمعزلٍ عن محيطه، بل يتجلى فى أبهى صوره من خلال تنسيق المواقف ووحدة الصف العربي، لمواجهة تحديات وجودية تفرضّها مخططات تستهدف تفتيت المنطقة وضرب استقرارها، وهي التحديات التي لا يمكن تجاوزها دون إرساء عملية سلام حقيقية تفضي إلى إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، بالتوازي مع تعزيز التعاون التنموي الذي يضمن للشعوب حياة أفضل.

فى هذا السياق الاستراتيجي، جاءت الزيارة الأخوية التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية، ولقائه بأخيه سمو الأمير محمد بن سلمان، ولي عهد المملكة ورئيس الوزراء، لتمثل نقطة ارتكاز جوهرية فى توقيت إقليمي ودولي شديد التعقيد؛ حيث تجاوزت هذه الزيارة أطر اللقاءات البروتوكولية لتتحول إلى تحرك استراتيجي مشترك بين قوتين محوريتين تشكلان "القلب الصلب" للأمن القومي العربي.

فالعلاقات بين مصر والمملكة العربية السعودية تمتد لعقود طويلة، وهي علاقات قوية وراسخة رسوخ الجبال لا تؤثر فيها تحركات قوى الشر عبر الفضاء الأزرق أو كتائب أجهزة مخابرات لصناعة حالة من التوتر المكذوب ومشهد زائف غير واقعي.

إن علاقة الدولة المصرية بالمملكة العربية السعودية قيادة وشعبًا تعد نموذجًا للعلاقات الأخوية الراسخة رسوخ الجبال الرواسي التي لا تؤثر بها الرياح، ولا ينال منها عبث العابثين.

وخلال السنوات الأخيرة شهدت العلاقات بين البلدين تطورات كبيرة لتصبح شراكة استراتيجية متكاملة تشمل الأمن، السياسة، الاقتصاد، والطاقة.
إن التنسيق المصري السعودي اليوم لا يقتصر على الملفات الثنائية، بل يمتد ليكون حائط صد منيعًا ضد محاولات تصفية القضية الفلسطينية تلك القضية المركزية لكلٍ من القاهرة والرياض، أو المساس بالضفة الغربية، مع قيادة جهود إعادة الإعمار فى قطاع غزة بالتنسيق مع القوى الدولية.

لقد حاولت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من قبل تمرير ملف تهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم لتصفية القضية.. هنا فطنت القاهرة والرياض للأمر فتصدتا بقوة لملف التهجير وأعلنت القاهرة أن تهجير الفلسطينيين خط أحمر وحال الموقف المصري السعودي والتضامن العربي معهما دون تنفيذ ذلك المخطط الشيطاني تصفية القضية.

والآن وخلال اللقاء الأخير بين الرئيس السيسي والأمير محمد بن سلمان جاء تأكيدهما مرة أخرى على رفض أي محاولة لتهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم والتأكيد على أهمية نفاذ المساعدات الإنسانية بشكل كامل إلى سكان قطاع غزة، والبدء فى تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.

وهو الأمر الذي من شأنه أن يحوُل دون تنفيذ المخطط الإسرائيلي لتصفية الضفة والوقوف فى وجه عمليات التوسع الاستيطاني فيها على حساب الأراضي الفلسطينية.

إن ما تحاول أن تمرره إسرائيل وسط انشغال العالم والمنطقة بالمواجهات التي يجرى الاستعداد لها بين واشنطن وطهران، تدركه القاهرة والرياض جيدًا، من هنا كان التأكيد خلال اللقاء على ضرورة حل الدولتين ورفض التهجير والتصدي لأي محاولة للتوسع الإسرائيلي فى الضفة الغربية.

بالإضافة إلى مناقشة مسارات العمل للحيلولة دون تحول الإقليم إلى مسرح عمليات عسكرية للقوى الدولية، وتجنب المنطقة التصعيد العسكري الذي سيكون له آثار سلبية ليس على الإقليم وحده بل على العالم أجمع.

لقد جاءت الزيارة فى توقيت بالغ الدقة فى ظل ارتفاع وتيرة الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران والتصعيد المتبادل من الجانبين سواء على الصعيد العسكري أو على الصعيدين السياسي والإعلامي.

ففي الوقت الذي تواصل فيه واشنطن الدفع بالمزيد من حشودها العسكرية للمنطقة، تواصل طهران استعداداتها العسكرية للمواجهة وهو ما قد يؤدى حال وقوع المواجهة العسكرية إلى أزمة كبرى تتناثر شظاياها وآثارها لتطال مناطق متعددة من العالم وليس منطقة الشرق الأوسط أو منطقة الخليج فحسب.

فالمواجهة العسكرية الشاملة بين طهران وواشنطن لن تقف داخل حدود إيران وحدها، وهنا لابد من تغليب صوت العقل والوصول إلى حلول دبلوماسية، وهو ما نتمناه، وإن كان الواقع يشير إلى غير ذلك.

إن دلالات مثل هذه اللقاءات الأخوية تتجاوز التعاون الاقتصادى لتصل إلى عمق التوازنات الدولية، حيث تبعث القاهرة والرياض برسالة مفادها أن القوى العربية الكبرى باتت تمتلك زمام المبادرة فى قضاياها المصيرية، بعيدًا عن التدخلات الخارجية أو الإملاءات الإقليمية.

فالتنسيق المشترك فى أمن البحر الأحمر والممرات الملاحية، ومواجهة التهديدات غير التقليدية كالإرهاب والنزاعات المسلحة فى السودان وليبيا، يؤكد أن الأمن الإقليمي وحدة واحدة لا تتجزأ وهي الرؤية التي تتفق عليها الدولتان.
كما تعكس الزيارة مستوى متقدمًا من التنسيق السياسي بين القاهرة والرياض فى التعامل مع ملفات المنطقة.

ف مصر و السعودية تمثلان ركيزتين أساسيتين للاستقرار فى الشرق الأوسط، والتقارب بينهما يعني: توحيد المواقف تجاه الأزمات الإقليمية، وتعزيز العمل العربي المشترك بدلًا من التحركات الفردية.

كما يدعم فكرة وجود محور عربي معتدل قادر على إدارة التوازنات الإقليمية.
كما أن التحديات الأمنية الحالية.. من أزمات النزاعات المسلّحة إلى تهديدات الاستقرار الإقليمي تجعل التنسيق المصري - السعودي أمرًا حيويًا.

فكلتا الدولتين تتطابقان فى الرؤى التي تؤكد على أهمية احترام سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها والحفاظ على مقدراتها من أجل مصلحة الشعوب.

إن ارتفاع حدة الأحداث يتطلب تعزيز التضامن العربي فى مواجهة التحديات الحالية، وهو ما أكد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي والأمير محمد بن سلمان، ولي عهد المملكة.

كما أن الزيارة حملت أهمية اقتصادية كبيرة، خاصة فى ظل التحديات الاقتصادية العالمية والإقليمية.

ففي مارس 2025 أقر البرلمان المصري اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة بين البلدين، بهدف تعزيز ضمانات المستثمرين وتشجيع تدفق الاستثمارات خاصة فى قطاعات الطاقة، والسياحة، والصناعة.

حيث تتربع السعودية كأكبر شريك تجاري عربي ل مصر بحجم تبادل وصل فى عام 2024 إلى نحو 16.348 مليار دولار، مع استشراف نمو كبير خلال العام الحالي.
كما تقدّر استثمارات القطاع الخاص السعودي فى مصر بحوالي 35 مليار دولار، مع هدف زيادتها إلى 50 مليار دولار خلال السنوات الخمس القادمة، فى قطاعات حيوية كقناة السويس والعاصمة الإدارية والطاقة.

هذه الأرقام تعكس قوة الروابط الاقتصادية بين البلدين وأهميتها المتزايدة فى دعم جهود النمو والتنمية فى كلٍ من القاهرة والرياض، التي تخدم رؤية البلدين التنمويتين " مصر 2030" و" السعودية 2030".
لقد نجح مجلس التنسيق الأعلى المصري- السعودي بصفته الإطار الأساسي للدفع بالتعاون فى شتى المجالات (السياسية، الاقتصادية، الدفاعية) فى القيام بدور كبير لزيادة حجم التعاون بين البلدين الشقيقين.

لقد حملت الزيارة عدة رسائل دولية وإقليمية تؤكد وجود تنسيق عربي قوي بين أكبر دولتين محوريتين فى الإقليم.

قدرة الدول العربية على إدارة ملفاتها بعيدًا عن الضغوط الخارجية.
تعزيز دور مصر و السعودية كـ قوّتي توازن فى المنطقة.
طمأنة الأسواق والمستثمرين بشأن استقرار المنطقة سياسيًا واقتصاديًا.
تعزيز التنسيق السياسي والأمني بين دولتين محوريتين فى المنطقة.
رسالة قوية للوحدة العربية فى مواجهة الصراعات المتزايدة فى الشرق الأوسط.
دفع عجلة التكامل الاقتصادي والاستثماري بين أكبر اقتصادين عربيًا.
زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى السعودية أكثر من مجرد لقاء بين زعيمين؛ إنها خطوة استراتيجية فى مسار طويل من العلاقات الثنائية المتينة ومتعددة الأبعاد بين مصر والسعودية، جاء توقيتها فى ظل التحولات الإقليمية الكبرى.

لقد أكدت الزيارة أن التنسيق العربي المشترك لا يزال قائمًا بقوة للمساهمة فى استقرار المنطقة.

ببساطة، الزيارة تمثل تكريس اتفاق استراتيجيًا شاملاً وتأكيدًا على الدور القيادي لكلٍ من القاهرة والرياض فى معالجة التحديات الإقليمية الراهنة وتحقيق تنمية مستدامة لشعبيهما والمنطقة العربية بأسرها.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية