تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
الفخ المدمر
في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الجغرافيا مع السياسة، والطاقة مع الأمن، والتاريخ مع الصراع، يكفي أحيانًا حادث صغير أو صاروخ ضلَّ طريقه كي يفتح أبواب مرحلة جديدة بالكامل.
منذ 28 فبراير الماضي لم يعد الشرق الأوسط يعيش مجرد موجة توتر عابرة، بل يقف اليوم عند واحدة من أخطر اللحظات الاستراتيجية فى تاريخه الحديث.
والتاريخ يخبرنا بأن الحروب الكبرى لا تندلع دائمًا نتيجة قرارات محسوبة، بل كثيرًا ما تكون نتيجة تراكمات طويلة من التوتر وسلسلة من الحسابات الخاطئة.
فالمواجهة المتصاعدة بين إيران من جهة، و إسرائيل و الولايات المتحدة من جهةٍ أخرى، تجاوزت حدود الاشتباكات المحدودة أو الحروب بالوكالة، لتتحول تدريجيًا إلى صراع مفتوح يحمل فى طياته احتمالات توسع إقليمي واسع قد يغيّر ملامح التوازنات فى المنطقة بأكملها.
خلال السنوات الماضية، ظل الصراع بين هذه الأطراف يدور فى الظل.
ضربات محدودة، عمليات استخباراتية، حرب سيبرانية، واستهداف متبادل عبر حلفاء إقليميين.
لكن المشهد الحالي يبدو مختلفًا، فالتصعيد العسكري المباشر، وتبادل الضربات الصاروخية، واتساع نطاق المواجهة جغرافيًا، كلها مؤشرات على أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة أكثر خطورةً وتعقيدًا.
(1)
فى جوهر الأزمة الحالية يكمن صراع استراتيجي طويل بين مشروعين متنافسين فى الشرق الأوسط.
المشروع الأول تقوده الولايات المتحدة و إسرائيل ويهدف إلى الحفاظ على توازن إقليمي يمنع ظهور قوة قادرة على تهديد التفوق العسكري الإسرائيلي أو تقويض النفوذ الأمريكي فى المنطقة.
وفق استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة "الترامبية" وهي نسخة من القومية الأمريكية تعتمد على تفضيلات الرئيس دونالد ترامب الشخصية مع التركيز على العلاقات الثنائية والصفقات الاقتصادية السريعة.
(هناك استراتيجيات خمس كبرى للولايات المتحدة الأمريكية وتشمل، استراتيجية الهيمنة وهو ما قامت به خلال التسعينيات وبداية الالفية الجديدة، واستراتيجية الليبرالية الدولية، واستراتيجية ضبط النفس ويرى أنصار هذه الاستراتيجية أن واشنطن يجب أن تقلل وجودها العسكري فى الخارج، وأن تركز على حماية مصالحها الحيوية فقط، أما الاستراتيجية الرابعة فهي القومية الأمريكية وتبنى على أنه لا ينبغي للولايات المتحدة أن تتحمل أعباء حماية النظام الدولي أو الدفاع عن حلفاء لا يساهمون بشكل كافٍ فى أمنهم، أما الاستراتيجية الخامسة فهي القيادة العالمية الحازمة، أو ما يُطلق عليها الترامبية).
أما المشروع الثاني فتقوده إيران التي تسعى منذ عقود إلى توسيع نفوذها الإقليمي عبر شبكة من التحالفات السياسية والعسكرية الممتدة من الخليج إلى البحر المتوسط.
هذا التنافس لم يكن مجرد خلاف سياسي أو صراع نفوذ تقليدي، بل أصبح صراعًا على شكل النظام الإقليمي نفسه.
ف إيران ترى أن وجودها الإقليمي يمثل ضمانة لأمنها القومي فى مواجهة الضغوط الغربية، بينما ترى إسرائيل أن التمدد الإيراني يشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها الاستراتيجي، خصوصًا مع تطور البرنامج الصاروخي الإيراني واقتراب طهران من امتلاك قدرات نووية عسكرية.
من هنا، لم يكن التصعيد الأخير مفاجئًا تمامًا بقدر ما كان نتيجة تراكم طويل من التوترات غير المحسومة.
الأمر الذي كان يستوجب التعامل معه وفق قرارات حكيمة وإجراءات محسوبة بدقة، خاصة أن ملامحه التي كانت تلوح فى الأفق كانت أهدافها واضحة بشكل كامل ودون مواربة (إعادة تقسيم المنطقة).
(2)
لأكثر من عقدين، فضّلت جميع الأطراف إدارة الصراع عبر ما يُعرف بـ"حرب الظل"، كانت إسرائيل تستهدف مواقع عسكرية إيرانية فى سوريا، وتشن عمليات سرية ضد البرنامج النووي الإيراني، فى المقابل، اعتمدت طهران على حلفائها الإقليميين (حزب الله فى لبنان، والحوثيين فى اليمن) لخلق ضغط عسكري مستمر على إسرائيل والقواعد الأمريكية فى المنطقة.
ومع بداية المواجهة الجديدة راهنت كل من إسرائيل و الولايات المتحدة على «الفخ المدمر» رد الفعل الإيراني على الضربات، لإشعال المنطقة بالكامل واتساع رقعة الصراع حتى تتمكن إسرائيل من تحقيق أهدافها التوسعية رغم الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي تسببها لها المواجهات العسكرية، فقد خسرت إسرائيل 326 مليون دولار خلال الأيام الثلاثة الأولى للمواجهة العسكرية.
وهو ما وقعت فيه إيران وحزب الله بالفعل، فاستهدفت العديد من دول المنطقة تحت ذريعة استهداف القواعد الأمريكية والمصالح الأمريكية للضغط عليها.
الأمر الذي ساعد فى توسعة رقعة الصراع ومنح إسرائيل ذريعة لقصف جنوب لبنان والتوسع على حساب الأراضي اللبنانية.
فقد كشفت إسرائيل عن أنها كانت تراهن على رد الفعل من قبل حزب الله اللبناني حال توجيه ضربات لإيران، وقد حدث ما خططت له.
لكن قواعد اللعبة بدأت تتغير تدريجيًا، فمع تصاعد الهجمات المتبادلة واتساع نطاقها، أصبح من الصعب احتواء الصراع داخل الحدود التقليدية لحروب الوكالة.
الضربات المباشرة، والردود الصاروخية، واستهداف البنية العسكرية للطرف الآخر، كلها عوامل دفعت المواجهة إلى مستوى جديد من الخطورة.
فى مثل هذه اللحظات التاريخية، غالبًا ما تتلاشى الخطوط الفاصلة بين الردع والتصعيد، فكل طرف يسعى إلى إثبات قدرته على الرد دون أن يظهر بمظهر الضعيف، لكن هذه الحسابات الدقيقة قد تنقلب فى أي لحظة إلى مواجهة واسعة يصعب السيطرة عليها.
وهو ما طالبت به القاهرة من ضرورة ضبط النفس والعمل على منع توسعة رقعة الصراع لأنها قد تدفع بالمنطقة إلى سيناريو مدمر.
ما يجعل الأزمة الحالية أكثر تعقيدًا هو أنها لا تدور بين ثلاث دول فقط، بل داخل شبكة واسعة من الصراعات الإقليمية المتداخلة.
هذا التشابك يعني أن توسعة المواجهة المباشرة قد تتحول بسرعة إلى حرب متعددة الجبهات.
فلبنان أصبح ساحة مواجهة بعد أن دفع به حزب الله إلى المعركة دون استعداد كامل لها ومنح إسرائيل فرصة للسيطرة الكاملة على جنوب الليطاني، وسوريا قد تشهد تصعيدًا جديدًا بين القوى المتنافسة.
أما دول الخليج العربي، فقد حافظت على ضبط النفس وهو القرار الحكيم فى إدارة هذه الأزمة رغم إدخالها دائرة المواجهة مع الساعات الأولى للعمليات العسكرية الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران، وهو أيضًا ما راهنت عليه تل أبيب، ففي الوقت الذي أعلنت فيه إيران أنها تستهدف القواعد الأمريكية فى الخليج جاءت ضرباتها موجهة إلى عدد من المناطق المدنية فى بعض دول الخليج وهو ما قوبل برفض وإدانة شديدة من قِبل الدول العربية والمجتمع الدولي، لكن هذا الفخ المدمر ما لم تفطن إيران إلى خطورة الاستمرار فيه، فسوف يساهم فى إشعال المنطقة بالكامل وهو ما ستجني ثماره إسرائيل.
ففي الوقت الذي تحرص فيه دول الخليج العربي على أقصى درجات ضبط النفس، نجد استمرار طهران فى عملياتها ضدها قرار غير موفق ولن تكون نتائجه لصالحها، بل ستكون لصالح المستفيد الأكبر من هذه المواجهة العسكرية – تل أبيب.
إن استمرار إيران فى توسيع دائرة المواجهة العسكرية لن يدفع بالحرب باتجاه النهاية بل سيطيل أمدها وهو ما سيخلق مزيدًا من الآثار السلبية على الاقتصاد العالمي وشبكات الإمداد.
(3)
لا يمكن النظر إلى ما يحدث فى الشرق الأوسط بمعزلٍ عن تأثيره على الاقتصاد العالمي، فالمنطقة لا تزال تمثل القلب النابض لسوق الطاقة العالمية، وأي اضطراب كبير فيها ينعكس فورًا على أسعار النفط والغاز.
وهو ما حدث عقب إعلان إغلاق مضيق هرمز حيث تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية.
ورغم التطمينات الأمريكية حول استمرار الملاحة إلا أن أسعار النفط تتسارع فى الارتفاع بشكل كبير وهو ما ينبئ بصدمة اقتصادية كبيرة.
ارتفاع أسعار الطاقة سيؤدي بدوره إلى موجة جديدة من التضخم العالمي، وهو ما ساهم فى تفاقم الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها العديد من الدول.
لهذا السبب تتابع العواصم الكبرى تطورات الأزمة بقلقٍ شديد، لأن أي حرب إقليمية واسعة فى الشرق الأوسط لن تبقى محصورة داخل حدوده الجغرافية، بل ستدفع بآثارها إلى العالم.
رغم التصعيد الحالي، فإن جميع الأطراف تدرك أن الحرب الشاملة ليست خيارًا سهلاً، ف إسرائيل تمتلك تفوقًا عسكريًا واضحًا فى المنطقة، لكنها تواجه فى الوقت نفسه خطر فتح عدة جبهات فى آنٍ واحد كما أنها تواجه أزمات اقتصادية داخلية، ففي ظل التصعيد العسكري يكون معظم الشعب الإسرائيلي فى الملاجئ وهو ما يهدد الاقتصاد.
أما إيران، فرغم امتلاكها قدرات صاروخية وشبكة حلفاء إقليميين، فإنها تدرك أن استمرار المواجهة العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة قد يحمل مخاطر هائلة على اقتصادها واستقرارها الداخلي.
خاصة أن واشنطن أعلنت أنها تعمل على تحريك الشعب من الداخل ضد النظام كما تسعى إلى تحريك الأكراد فى مواجهة النظام أيضًا.
ولأن المواجهات العسكرية تحتاج إلى وحدة الجبهة الداخلية، فإن أي انقسام فى الجبهة الداخلية الإيرانية لن يكون فى صالح إيران.
أما الولايات المتحدة، فهي من جهتها تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين دعم حليفها الاستراتيجي فى المنطقة (إسرائيل) ومنع انزلاق الأزمة إلى حرب واسعة قد تستنزف مواردها العسكرية والسياسية.
هذه الحسابات المعقّدة تجعل الصراع الحالي أشبه بلعبة شديدة الخطورة على حافة الهاوية، كل طرف يحاول تحقيق أقصى قدر من الردع دون أن يدفع المنطقة إلى الانفجار الكبير.
فى خلفية المشهد، تقف القوى الدولية الكبرى تراقب التطورات عن كثب، فروسيا والصين، رغم علاقاتهما المتنامية مع إيران، لا ترغبان فى اندلاع حرب إقليمية قد تؤدي إلى اضطراب كبير فى الاقتصاد العالمي، وفى الوقت نفسه، تحاول الدول الأوروبية الدفع نحو مسار دبلوماسي يعيد إحياء المفاوضات حول الملف النووي الإيراني .
لكن المشكلة أن المسارات الدبلوماسية غالبًا ما تتحرك ببطء شديد مقارنة بإيقاع التصعيد العسكري المتسارع على الأرض، وكلما استمرت الضربات المتبادلة، تقلصت فرص العودة إلى طاولة المفاوضات.
المشهد الإقليمي اليوم يشبه لحظة تاريخية معلّقة بين خيارين.
الأول هو استمرار التصعيد حتى تتحول المواجهة إلى حرب إقليمية واسعة قد تعيد رسم خريطة التحالفات وموازين القوى فى الشرق الأوسط، أما الخيار الثاني فهو نجاح الضغوط الدولية فى احتواء الأزمة وفرض هدنة مؤقتة تسمح بعودة المسار السياسي.
ولهذا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط فى قوة الأسلحة التي تمتلكها الأطراف المتصارعة، بل فى هشاشة التوازنات التي تحكم الصراع.
والسؤال الذي يواجه العالم اليوم ليس ما إذا كانت المنطقة قادرة على تحمل حرب جديدة.. بل ما إذا كان المجتمع الدولي قادرًا على منعها قبل فوات الأوان؟!
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية