تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > محمد أمين > الطريق إلى اتفاق الضرورة

الطريق إلى اتفاق الضرورة

تدخل الحرب الأمريكية الإيرانية أسبوعها الخامس وسط آمال العديد من شعوب العالم أن يتم الوصول إلى اتفاق بين الجانبين يوقف تلك المواجهة، وإن كان الواقع على الأرض لا يشير إلى ذلك.

محاولات من قِبل العديد من القوى الدولية والإقليمية وعلى رأسها مصر للوصول إلى حل سياسي لإسكات صوت المعارك التي أثّرت بشكلٍ غير مسبوق على الاقتصاد العالمي ، وهددت حياة الشعوب بارتفاع نسب الفقر، بعد أن ساهمت فى رفع أسعار الطاقة التي تعد العمود الفقري للاقتصاد.

تطورات الأوضاع على الأرض فى ظل استمرار القصف المتبادل من الجانبين وكذا مواصلة إسرائيل اغتيال قيادات إيرانية كان آخرها قائد سلاح البحرية فى الحرس الثوري الإيراني علي رضا تنكسيري فى غارة جوية مساء الأربعاء الماضي، تشير إلى أن الاتفاق السياسي لا يزال يبحث عن موطئ قدم فى أرض ملتهبة.

فلم يعد السؤال المطروح فى دوائر السياسة الدولية قبل عدة أشهر هو ما إذا كانت المواجهة بين الولايات المتحدة و إيران ممكنة، بل متى وكيف يمكن احتواؤها قبل أن تنزلق إلى ما لا تُحمد عقباه.

فالمشهد الراهن لا يعكس صراعًا تقليديًا بين الولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل من جهة و إيران من جهة أخرى، بل بات حالة اشتباك مركّب تتداخل فيه الملفات النووية مع النفوذ الإقليمي، وتتشابك فيه الحسابات العسكرية مع اعتبارات الداخل السياسي لدى كل من الجانبين.

(1)

فى قلب هذا المشهد، تبرز تحركات إقليمية وفى مقدمتها المصرية تحاول أن تُبقي المنطقة على حافة التوازن، لا على حافة الهاوية.

وبين ورقة المفاوضات الأمريكية والشروط الإيرانية يقف العالم يبحث عن حلٍّ لأزمة الطاقة الطاحنة والتي قد تؤدي إذا ما استمرت بهذا الشكل إلى إصابة العالم بموجة ركود كبير، الأمر الذي دعا العديد من القوى الدولية لتطالب بضرورة وقف هذه الحرب.


لكن حتى كتابة تلك السطور لم يكن هناك أي مؤشرات على أن المسار السياسي وصوت الحِكمة سيكون لهما الغلبة فى المشهد.

فعقب انسحاب واشنطن فى 2018 من اتفاق 2015 بشأن البرنامج النووي، دفع الأمر إلى مستوى أكثر تعقيدًا، حيث لم تعد طهران ترى فى التفاهمات الدولية ضمانة كافية، بينما تنظر الولايات المتحدة إلى أي اتفاق جديد باعتباره يجب أن يكون "أطول وأقوى"، وهي عبارة تبدو دبلوماسية، لكنها فى جوهرها تعني مطالب أوسع تتجاوز الملف النووي إلى الصواريخ الباليستية والدور الإقليمي.

فى هذا السياق، يمكن فهم طبيعة التفاوض بين الطرفين باعتبارها عملية شد وجذب مستمرة، لا تهدف بالضرورة إلى الوصول لاتفاق شامل بقدر ما تسعى إلى إدارة الصراع.

ف واشنطن لا تريد حربًا مفتوحة فى الشرق الأوسط، خاصة فى ظل أولويات دولية أخرى، من المنافسة مع القوى الكبرى إلى الأزمات الاقتصادية العالمية.

وطهران، رغم خطابها الصلب، تدرك أن الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وعدد من الدول الأخرى حال صدور قرار من مجلس الأمن بهذا الشأن قد يهدد بنية الدولة نفسها، فى ظل ضغوط اقتصادية خانقة وعقوبات ممتدة.

فالبراغماتية لدى طرفى الصراع تفرض على كل منهما الوصول إلى نقطة اتفاق وإن كانت لا تتجاوز السطح فقط؛ أما الواقع الحقيقي فالأزمة بين الطرفين لن تُحل بشكل سريع فى ظل ضغوط إسرائيلية على الولايات المتحدة بل تحركات من قِبل تل أبيب لاستمرار الحرب وتوسعة نطاقها.

لكن العقبة الأكبر تكمن فى أزمة الثقة العميقة بين الجانبين.

فالتجربة السابقة جعلت إيران أكثر تشددًا فى طلب الضمانات، بينما تُقابل واشنطن ذلك بحذرٍ نابع من اعتبارات داخلية، حيث يصعب تمرير أي اتفاق يُنظر إليه على أنه "تنازل"، وهنا يصبح التفاوض أشبه بلعبة توازن دقيقة، كل طرف يريد مكاسب واضحة دون أن يدفع ثمنًا سياسيًا داخليًا.

على الأرض، لا يجري هذا الصراع فى الفراغ.

فهناك أطراف إقليمية فاعلة، تنظر بعين الريبة لأي تقارب أمريكي-إيراني، خشية أن يأتي على حساب أمنها أو نفوذها.

(2)

هذه الأطراف تمارس ضغوطًا مباشرة وغير مباشرة، ما يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل أي اتفاق محتمل نتيجة شبكة معقّدة من التوازنات، لا مجرد تفاهم ثنائي.


فى الوقت ذاته وصلت إلى بحر العرب السفينة الأمريكية الهجومية البرمائية USS Tripoli (يو إس إس تريبولي)، ووحدة من مشاة البحرية بلغت 2200 مقاتل لتوسيع الانتشار الأمريكي فى منطقة بحر العرب، لتشارك فى عملية الإبرار البحري المحتملة حال صدور أوامر من الرئيس ترامب بذلك.

فى الوقت نفسه أعلن الأسطول الخامس الأمريكي عن إصابة جندي من مشاة البحرية كان على متن حاملة الطائرات أبراهام لينكولن، ورغم إعلان الجيش الأمريكي أن إصابة الجندي ليس لها علاقة بعمليات القتال ويجرى التحقيق بشأنها، إلا أن الجانب الإيراني أعلن استهدافه لحاملة الطائرات الأمريكية الأكبر على مستوى العالم بصواريخ كروز مجنحة.

الأمر الذي يزيد من تصاعد حِدّة الأزمة، فى الوقت ذاته تعمل إيران على زيادة حجم قواتها فى جزيرة "خارج" للحيلولة دون قيام الولايات المتحدة بأي عملية إبرار بحري عليها.

التصعيد الأمريكي يستهدف الضغط على طهران للوصول إلى اتفاق سياسي، فى الوقت ذاته أعلنت باكستان أن إسرائيل حذفت اسمي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف من قائمة الاستهداف الخاصة بها، بعد أن طلبت باكستان من واشنطن عدم استهدافهما.

وبحسب المسئول الباكستاني قال "كان لدى الإسرائيليين.. إحداثياتهما وكانوا يريدون تصفيتهما، لكننا قلنا للولايات المتحدة إنه إذا جرى القضاء عليهما أيضًا فلن يبقى أحد آخر يمكن التحدث إليه".


لكن الجانب الإيراني فى الوقت الذي كان يعلن فيه أنه لم يتلقَ أي اتصالات من وسطاء أو من واشنطن جاء ليعلن أنه تم تسليم باكستان ردًا رسميًا إيرانيًا على المقترح الأمريكي، ويحمل 5 بنود شملت إنهاء أعمال العدوان والاغتيالات، وتهيئة ظروف ملموسة تضمن عدم تكرار الحرب مرة أخرى، فضلاً عن ضمان دفع تعويضات الحرب وتحديد آليات ذلك بوضوح، بالإضافة إلى إنهاء الحرب على كل الجبهات، ليشمل جميع الفصائل المشاركة فى هذه الحرب، والاعتراف بسيادة إيران على مضيق هرمز باعتبارها حقًّا طبيعيًا وقانونيًا، وهو ما يتضارب تمامًا مع المقترح الأمريكي لوقف الحرب.

لكن ذلك لا يمنع من أن التوصل إلى الاتفاق يعد بمثابة اتفاق "الضرورة" وهو اتفاق مؤقت لوقف العمليات العسكرية.

على الجانب الآخر نجد إسرائيل تواصل عملياتها فى جنوب لبنان وكذا استهداف القادة الإيرانيين، بالإضافة إلى محاولاتها للدفع بأي من الدول الخليجية للدخول فى مواجهة مع إيران ، وهو ما قام به "موشيه إلعاد"، ضابط الاحتياط الإسرائيلي، وتسويقه عبر الصحافة الإسرائيلية.

(3)

وسط هذا التشابك، يبرز الدور المصري باعتباره أحد أهم مسارات التهدئة الإقليمية، فالقاهرة، بحكم موقعها وثقلها التاريخي، تتبنى مقاربة مختلفة تقوم على فكرة "منع الانفجار" والعمل على الوصول إلى حل سياسي لأي من الأزمات بعيدًا عن الحلول العسكرية.

السياسة المصرية هنا تبحث عن مساحات مشتركة يمكن البناء عليها لخفض التصعيد.

تتحرك مصر على عدة مستويات فى هذا الملف.

أولها، المستوى الدبلوماسي، حيث تحافظ القاهرة على قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء إقليميين ودوليين، هذه القنوات لا تُعلن تفاصيلها فى كثير من الأحيان، لكنها تلعب دورًا مهمًا فى نقل الرسائل وتهدئة التوترات، خاصة فى لحظات التصعيد.

المستوى الثاني، هو العمل ضمن الأطر الجماعية، سواء العربية أو الدولية، حيث تدفع مصر باتجاه حلول سياسية شاملة، وترفض الانزلاق إلى المواجهات العسكرية التي لا تُنتج سوى مزيد من الفوضى والدمار.

فى هذا السياق، تتبنى القاهرة خطابًا ثابتًا يقوم على ضرورة احترام سيادة الدول، وعدم التدخل فى شئونها، مع التأكيد على أن الأمن الإقليمي لا يمكن تحقيقه إلا عبر التوازن لا الهيمنة.

أما المستوى الثالث، فهو الأكثر حساسية، ويتمثل فى إدارة الملفات المرتبطة بالصراعات الإقليمية التي تُعد جزءًا من الاشتباك غير المباشر بين واشنطن و طهران .

فالقاهرة تلعب أدوارًا محورية فى ملفات مثل القضية الفلسطينية، وتهدئة الأوضاع فى قطاع غزة، وهي ملفات تتقاطع فيها المصالح الإيرانية والأمريكية بشكلٍ أو بآخر.

من خلال هذه الأدوار، تسعى مصر إلى تقليل مساحات الاحتكاك، ومنع تحول الساحات المحلية إلى نقاط اشتعال إقليمي.

ولا يمكن إغفال البُعد الاستراتيجي فى التحرك المصري، حيث تدرك القاهرة أن أي مواجهة مفتوحة فى المنطقة ستكون لها تداعيات مباشرة على الأمن القومي المصري، سواء عبر تهديد الملاحة فى البحر الأحمر، أو عبر موجات عدم الاستقرار التي قد تمتد إلى جوارها الإقليمي، لذلك، فإن التحرك المصري ينبع من إيمانٍ راسخ بأن زيادة حِدة التوتر واتساع دائرة الصراع فى المنطقة سيكون له أثر على الأمن القومي.

ورغم هذه الجهود، تبقى الحقيقة أن قدرة أي طرف إقليمي بما فى ذلك مصر على فرض تسوية شاملة بين الولايات المتحدة و إيران تظل محدودة، فى ظل طبيعة الصراع وتعقيداته، لكن ما يمكن تحقيقه، وهو ليس بالقليل، هو تقليل احتمالات الانفجار، وخلق مساحات للحوار، حتى لو كانت محدودة.

فى النهاية، يبدو أن السيناريو الأكثر واقعية ليس اتفاقًا تاريخيًا يعيد تشكيل العلاقة بين واشنطن و طهران ، بل سلسلة من التفاهمات الجزئية التي تُبقي الصراع تحت السيطرة، قد نشهد اتفاقات محدودة، أو تفاهمات مؤقتة، أو حتى "هدن غير معلنة"، لكن جميعًا تصب فى هدف واحد: منع الانزلاق إلى حرب شاملة.

وهنا تحديدًا تتضح أهمية الدور المصري، ليس كوسيط تقليدي، بل كقوة توازن تحاول أن تُبقي المنطقة واقفة على قدميها، حتى فى أصعب اللحظات.

فبين ضجيج التصعيد وصمت التفاوض، تتحرك القاهرة، مدركة أن أخطر الحروب هي تلك التي تبدأ دون أن يخطط لها أحد، وأن أعظم الانتصارات قد تكون أحيانًا فى منع الحرب، لا خوضها.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية