تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > محمد أمين > 39 مليار دولار فاتورة الحرب

39 مليار دولار فاتورة الحرب

في الشرق الأوسط، لا تأتي العواصف دائمًا من السماء، أحيانًا تبدأ من الأرض، ثم تصعد آثارها لتُربك كل شيء، حتى الطقس نفسه يبدو وكأنه يتضامن مع الفوضى، المنطقة تعيش هذه الأيام على وقع تقلبات جوية حادة؛ رياح عاتية، عواصف مفاجئة، وحرارة تقفز من طرف إلى طرف بلا منطق واضح. لكن ما يحدث فوق الأرض ليس بعيدًا عما يجري عليها؛ فكما اختلت أنماط الطقس، اختلت معادلات الاستقرار، وكما أصبحت التنبؤات الجوية صعبة، باتت حسابات السياسة والحرب أكثر غموضًا وهشاشة.

إنها فوضى مزدوجة، تضرب السماء والأرض معًا، وتؤكد أن المنطقة تقف فى قلب عاصفة تتجاوز حدود الطبيعة لتطال بنية النظام الإقليمي ذاته.

الحرب الراهنة التي تعيش يومها الخامس والثلاثين تجاوزت منذ بدايتها إطارها التقليدي، لتتحول إلى اختبار قاسٍ لقدرة الإقليم بل والنظام الدولي بأسره على تحمّل أعباء صراع يتسع أفقيًا ورأسيًا فى آن واحد.

فبينما تتصاعد وتيرة العمليات العسكرية بين الولايات المتحدة و إسرائيل وإيران، تتسارع فى الخلفية مؤشرات أكثر عمقًا وخطورة منها: اضطراب أسواق الطاقة، اختلال سلاسل الإمداد، تصاعد معدلات التضخم، وتآكل هوامش المناورة أمام صناع القرار. هنا، لم يعد السؤال متعلقًا بمن يتقدم ميدانيًا، بقدر ما يصبح متعلقًا بمن يستطيع الصمود اقتصاديًا، ومن يملك رفاهية الاستمرار فى دفع الكلفة.

هذه الفاتورة لا تُسجَّل فى دفاتر طرف واحد، بل تتوزع على الجميع؛ دول تدفع ثمن الانخراط المباشر، وأخرى تتحمل كلفة الارتدادات الاقتصادية، وشعوب تُثقلها أعباء التضخم وارتفاع الأسعار، بينما يواصل النظام الدولي اختبار قدرته على احتواء صراع يتسع دون أفق واضح للحسم. ومع كل يوم إضافى للحرب، لا تتراكم الخسائر فقط، بل تتغير قواعد اللعبة نفسها، ليصبح السؤال الأهم: من يدفع حقًا ثمن هذه الحرب، وإلى أي مدى يمكن للعالم أن يتحمل استمرارها؟


في هذا السياق، يصبح تفكيك "فاتورة الحرب" ضرورة تحليلية، لا مجرد توصيف رقمي؛ ومدخلًا لا غنى عنه لفهم ما يجري تحت السطح، ليس فقط باعتبارها حصيلة خسائر، بل بوصفها مرآة تعكس تحولات أعمق فى توازنات القوة، حيث تتحول الأرقام إلى مؤشرات تكشف عن ملامح نظام إقليمي ودولي يعاد تشكيله تحت ضغط النار، لتعيد رسم ملامح المنطقة والعالم لسنوات قادمة وكأن العاصفة، هذه المرة، لن تمر إلا بعد أن تُعيد رسم الخريطة.

الحرب التي أنهت أسبوعها الخامس وتواصل عملياتها بحسب تصريحات الرئيس الأمريكي لثلاثة أسابيع قادمة أي حتى نهاية شهر أبريل الجاري وهو ما أشرنا إليه قبل أسبوعين، ترتفع فاتورتها يوما بعد يوم بل كل ثانية، فقد بلغت بحسب التقديرات الأمريكية 39 مليار دولار، وذلك استنادا إلى ما قدمه البنتاجون للكونجرس الأمريكي، وبمعدل 41 مليونًا و666 ألف دولار فى الساعة، و11 ألفا و574 دولارا فى الثانية الواحدة.

التطورات التي تشهدها الحرب فى الخليج العربي حاليا تكشف فاتورة ضخمة من الخسائر ليست لدى الدول المشاركة فى الحرب فقط بل وفى دول أخرى.

فقد أدت الحرب إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز كما رفعت فاتورة تأمين نقل البضائع بسبب المخاطر مما أدى لارتفاع الأسعار وزيادة حجم التضخم.


لكن القراءة المتأنية للمواجهة والتعرف على خسائر الأطراف المختلفة يكشف تفاصيل أكثر.

فقد بلغ عدد الطلعات الجوية الأمريكية والإسرائيلية 13 ألف طلعة جوية.

استخدمت إسرائيل خلالها ما بين 60 إلى 70 ألف طن من الذخائر المختلفة شملت القنابل الذكية والموجهة والصواريخ البحرية وهي كمية تفوق ما تم إلقاؤه على هيروشيما فى القوة التدميرية بعدة مرات.
حصلت على 20 ألف طن منها دعما من الولايات المتحدة الأمريكية من مخازنها الاستراتيجية.

أما الولايات المتحدة فقد استهلكت عشرات الآلاف من الذخائر الدقيقة (JDAM kits، قنابل MK-84، MK-82) وصواريخ دفاع جوي (Iron Dome interceptors)

حيث تم تسليم ما بين 20 ألفًا إلى 30 ألف قطعة ذخيرة موجهة للقوات المشاركة بحسب تقارير عسكرية شملت مئات الصواريخ (توماهوك، وصواريخ دفاعية لاعتراض الطائرات المسيّرة والصواريخ).
كما أدت الحرب إلى استهلاك مكثف لمنظومات الدفاع الجوي (Patriot / SM-2 / SM-6).


تبلغ تكلفة القنبلة الواحدة الموجهة: من 20 ألفًا إلى 100 ألف دولار.

والصاروخ "توماهوك": حوالي 1.5 مليون دولار.

الصاروخ اعتراض Iron Dome: من 40 إلى 80 ألف دولار.

بحسب تقدير جينيفر كافانا (Jennifer Kavanagh) - زميلة أولى ومديرة التحليل العسكري فى منظمة أولويات الدفاع - فإن الولايات المتحدة أنفقت أكثر من 10 مليارات دولار على أنظمة الدفاع الجوي فى الساعات الـ 48 الأولى للحرب.

أطلقت إيران أكثر من 3 آلاف طائرة مسيرة و500 صاروخ باليستي. يقدر (CSIS) - مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية - بشكل منفصل تكاليف الاعتراض وقدرة تكلفة المواجهة من قبل إيران لأول 100 ساعة ما بين 1.2 مليار دولار إلى 3.7 مليار دولار.

وتبلغ تكلفة الصاروخ الاعتراضي الواحد من منظومة ثاد (THAAD) ما بين 12 و15.5 مليون دولار أمريكي تقريباً. وتعد هذه المنظومة الدفاعية عالية الارتفاع باهظة الثمن، حيث تصل تكلفة البطارية الكاملة إلى ما بين 1.0 و2.7 مليار دولار، وتشمل قواذف ورادارات متطورة.


أما صواريخ طراز باتريوت (PAC-3) تبلغ تكلفته ما بين 3 إلى 4 ملايين دولار أمريكي تقريباً، بينما تصل تكلفة النسخة الأحدث والأكثر تطوراً (PAC-3 MSE) إلى حوالي 4.1 مليون دولار للصاروخ الواحد. وتُعد هذه المنظومة من أغلى أنظمة الدفاع الجوي، حيث قد تتجاوز تكلفة البطارية الكاملة مليار دولار.

طائرة مسيرة إيرانية من طراز شاهد-136 تبلغ تكلفتها 35 ألف دولار لكل واحدة، لذا تصبح نسبة تكلفة الاعتراض الأمريكي الإسرائيلي للطائرات المسيرة الإيرانية بدون طيار 106 مرات لكل مسيرة.

وكشفت تقارير أمريكية عسكرية أن حرب يونيو 2025 التي استمرت 12 يومًا، أنفقت الولايات المتحدة ما يصل إلى 30٪ من مخزونها من ثاد و80 SM-3s. ولا يمكن للإنتاج أن يواكب حتى بمعدلات متضاعفة أربع مرات، كون استبدال 150 صاروخًا اعتراضيًا من ثاد يستغرق ما يقرب من 5 أشهر، الأمر الذي يجعل إطالة أمد الحرب بمثابة أزمة.

وبحسب أحد مراكز الدراسات العسكرية الأمريكية مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS فإن تكلفة الأيام الست الأولى للحرب بلغت 12.7 مليار دولار أى ما يوازي دفع رواتب 9% من معلمي المدارس الابتدائية فى الولايات المتحدة لمدة عام.

دفع رواتب 47% من رجال الإطفاء


توفير الرعاية الصحية لـ 693 ألف محارب قديم

إنشاء 1.5 مليون وحدة إسكان عام

تمويل برنامج “ميديكيد” لـ 3.6 مليون طفل

وهو الأمر الذي ساهم فى إشعال المظاهرات داخل الولايات المتحدة.

كما أنه خلال الأيام الست الأولى للحرب، استخدمت الولايات المتحدة أكثر من 300 صاروخ توماهوك، بإجمالي تكلفة بلغت نحو 1.2 مليار دولار.

كما أعلنت واشنطن أنها استهدفت أكثر من 2,500 موقع خلال ذات الفترة داخل إيران، بتكلفة تُقدّر بنحو 5.5 مليار دولار للذخائر الهجومية وحدها.

وقد أطلقت إيران نحو 290 صاروخًا باليستيًا خلال الأسابيع الأولى للحرب باتجاه إسرائيل بالإضافة إلى 500 طائرة مسيرة بدون طيار فى الوقت ذاته بلغ عدد الهجمات الإيرانية باتجاه دول الخليج أكثر من 2500 هجمة بطائرات مسيرة وصواريخ بالستية منها 1900 هجمة باتجاه الإمارات وحدها.


بحسب منظمة حقوق الإنسان الأمريكية HRANA (هرانا) فإن 3461 شخصاً قُتلوا منذ اندلاع الحرب، من بينهم 1551 مدنياً، بينهم 236 طفلاً على الأقل.

أما الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر فقد ذكر فى تقرير له أن ما لا يقل عن 1900 شخص قتلوا وأصيب 20 ألفاً فى إيران.

وفى لبنان قتل 1189 شخصاً فى غارات إسرائيلية منذ 2 مارس الماضي، من بينهم 124 طفلاً على الأقل.

أما فى العراق فقتل ما لا يقل عن 100 شخص منذ بداية الأزمة. ويشمل هؤلاء مدنيين، وعناصر من قوات الحشد الشعبي الشيعية الموالية لإيران، ومقاتلين من قوات البيشمركة الكردية المتحالفة مع الولايات المتحدة، وجنوداً من الجيش.

وفى إسرائيل، أسفر إطلاق صواريخ من إيران وحزب الله فى لبنان عن مقتل 19 شخصاً بالإضافة إلى 4 من الجنود الإسرائيليين قتلوا فى جنوب لينان.

أما الولايات المتحدة فقد قُتل لها ثلاثة عشر جنديا. وأكد الجيش الأمريكي مقتل ستة منهم إثر تحطم طائرة تزويد بالوقود تابعة للجيش الأمريكي فوق العراق، بينما قُتل سبعة آخرون خلال العمليات العسكرية ضد إيران.


كما أصيب اثنا عشر جندياً أمريكياً بجروح، اثنان منهم فى حالة خطيرة، فى غارة عسكرية إيرانية على قاعدة الأمير سلطان الجوية فى المملكة العربية السعودية.

فى الوقت ذاته سقطت طائرتان أمريكيتان من طراز F-15E فى الكويت، ولم يعلن سبب سقوطهما إلا أن بعض المواقع العسكرية المتخصصة أرجعت الحادث الى تعرضهما لنيران صديقة.

الأرقام السابقة كانت محاولة لكشف جزء من حصيلة هذه الحرب التي تثبت أن الجميع خاسر ليس هناك من يمكن أن يطلق عليه رابح فى تلك المواجهة؛ بل إن الإقليم بأكمله ومحيطه العالمي تأثر سلبا بشكل كبير خلال تلك الفترة وتزداد حدة الأزمة مع مرور الوقت.

لقد استطاعت إيران أن تطيل أمد الحرب لكنها تعرضت لخسائر كبيرة فى البنية التحتية وقطاعاتها الصناعية الكبرى ومحطات الطاقة مما سيكلفها الكثير لاستعادة بناء تلك المؤسسات حال انتهاء الحرب.
كما أن الولايات المتحدة و إسرائيل قد تأثرتا أيضا سواء فى الجانب الاقتصادي أو العسكري بشكل كبير؛ ورغم استمرار إسرائيل فى التوسع والعربدة بجنوب لبنان إلا أن الصواريخ الإيرانية استطاعت أن تصل إلى العديد من المناطق فى العمق الإسرائيلي وتدمر العديد من الأهداف.


فقد ارتفعت أسعار الوقود فى الولايات المتحدة الامريكية خلال الأسبوع الأخير إلى درجة غير مسبوقة منذ بدء الأزمة الروسية الأوكرانية فقد وصل سعر جالون البنزين إلى 4 دولارات مقابل 2.96 دولار قبل الحرب وهو ما أشعل حالة من الغضب فى الشارع الأمريكي.

لقد كان من الأخطاء الاستراتيجية فى تلك المعركة هو مواصلة إيران استهداف دول الخليج العربي مثل الكويت وقطر والإمارات والبحرين وعمان والعراق، والتي تتسلح بسلاح الصبر الاستراتيجي وتواصل صد الهجمات الإيرانية على أراضيها بأعلى درجات ضبط النفس، الأمر الذي ضيع الفرصة على إسرائيل لتوسيع رقعة الصرع حال اندفاع أي من الدول الخليجية للمواجهة.

فى النهاية، تكشف هذه الحرب حقيقة بسيطة.. الجميع يدفع، والجميع يخسر، بدرجات متفاوتة. الأرقام التي تبدو جافة فى ظاهرها، تخفي وراءها تحولات عميقة فى شكل النظام الإقليمي، وربما الدولي أيضًا.

الحرب لم تعد مجرد مواجهة على الأرض، بل أصبحت معركة حول القدرة على الاحتمال. من يستطيع أن يستمر، ومن ينهك أولًا.

لكن المؤكد أن هذه العاصفة، التي تضرب المنطقة الآن، لن تمر بسهولة. وعندما تهدأ (إن هدأت) لن تترك الأمور كما كانت، بل ستعيد رسم الخريطة بالكامل، سياسيًا واقتصاديًا، وربما لعقود قادمة.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية