تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

غاب المطر.. وحضرت شادية

فى القاهرة، نشتاق إلى المطر كما نشتاق إلى أشياء لا تُشترى، لحظة صدق، صوت جميل، أغنية تعيدنا إلى أنفسنا.. لذلك لم تكن الإسكندرية بانسبة لي مجرد مدينة، بل كانت وعدا سنويا بالمطر، ونوة رأس السنة، وبرودة تلسع الوجه وتنعش الروح.

 

اعتدنا أن نودع العام من شرفات الثغر، نتهيأ للمطر كما لو كنا نستعد للقاء حبيب، بأغطية ثقيلة، قبعات، مظلات، وقلوب مفتوحة على الدهشة. فى نهاية 2024 أوفت الإسكندرية بوعدها، أمطرت بغزارة حتى الفجر، فتركنا الحقائب وخرجنا نطارد المطر، نبتل بفرح، ونضحك بلا سبب سوى أننا أحياء.

بنفس اللهفة، عدنا نهاية ديسمبر 2025، انتظرنا النوة، ولم تأتِ، مرت الأيام هادئة بلا زعابيب ولا برد قاس، سوى مطر خجول فى ليلة واحدة، كأنه اعتذار متأخر. ومع ذلك، لم نخسر الرحلة، فالحياة ليست مطرا فقط. هنا، جاءت الجميلة شادية، الدلوعة، رفيقة الطريق.. منذ لحظة الانطلاق حتى العودة، ملأت أغانيها الفراغ الذى تركه الغيم، (مكسوفة، قولوا لعين الشمس، على عش الحب، غاب القمر يا ابن عمى، ومقدرش احب اتنين)..وغيرها من أغنيات لا تُسمع، بل نعيشها، تمسح عن القلب غباره، وتعيد ترتيب المشاعر بهدوء.

شادية ليست صوت حب فقط، بل وطن أيضا، حين تشدو بـ"يا حبيبتى يا مصر" أو "مصر اليوم فى عيد"، تشعر بالأغنية تخرج من القلب لتعود إليه، بلا وسيط، فهى من القلائل اللاتى جمعن الرقة والقوة، الأنوثة والهيبة، البساطة والخلود.

أفلام شادية رافقتنا عبر العمر، من الصبا إلى النضج، حتى حفظنا حواراتها. وفى مراهقتى، عشقتها كما يعشق الحلم الأول، وتمنيت - بسذاجة جميلة - أن تكون شريكة الحياة، والتقيت لاحقا بشبيهة لها، لكنى أدركت سريعا أن شادية لا تُشبه أحدا، لأنها الأصل.

افتقدنا مطر الإسكندرية هذا العام، لكن شادية عوضت الغياب، بصوت صادق أسعد قلوبنا. شادية الجميلة لم تكن صوتا يعلو، بل كانت دفئا يعم، دخلت القلوب من أبواب المجد، فعمت الطمأنينة.

كانت رقيقة كأنها تعوض الحياة شاقة، وحبوبة كأنها خُلقت لتمحى عنا الشقاء. فى صوتها ابتسامة، وفى ابتسامتها أمان، وفى حضورها إحساس دافئ، لم تتصنع النجومية، فصارت نجمة، لم ترفع المسافة بينها وبين الناس، فعاشت معنا.

أحببنا شادية لصدقها، ونسمعها فتجعلنا فى أفضل حالاتنا.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية