تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > محمد الأبنودى > موسم الهجوم علي الشيخ الشعراوي

موسم الهجوم علي الشيخ الشعراوي


في كل فترة زمنية، ومع تصاعد الجدل على منصات التواصل الاجتماعي، يظهر ما يمكن تسميته بـ"موسم الهجوم" على الرموز الدينية والفكرية. ومن أبرز من طاله هذا الجدل المتكرر فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، أحد أشهر علماء الأزهر في القرن العشرين، وصاحب الحضور الواسع  من خلال تفسيره المبسط للقرآن الكريم عبر شاشة التلفزيون.
الشيخ الشعراوي لم يكن مجرد داعية تقليدي، بل كان حالة خاصة في الخطاب الديني؛ إذ استطاع أن يقرب المعاني القرآنية بلغة سهلة، تجمع بين الفصحى الميسرة واللمسة العامية المحببة، مما جعله قريبًا من عامة الناس قبل خاصتهم. عبر برنامجه الشهير على التلفزيون المصري، تحولت حلقات التفسير إلى موعد ثابت لملايين المشاهدين، حتى صار اسمه مرتبطًا في الوعي الجمعي بفهم القرآن وتدبره.

نعم من حق أي جيل أن يعيد تقييم رموزه، وأن يناقش أفكارهم بموضوعية، بل إن ذلك دليل حيوية فكرية. غير أن الإنصاف يقتضي النظر إلى الصورة كاملة: إلى مجمل المشروع العلمي والدعوي، لا إلى اقتباس مجتزأ أو موقف سياسي عابر. فالشيخ الشعراوي، كغيره من العلماء، ابن عصره، تأثر بظروفه وسياقاته، واجتهد بما توفر له من أدوات معرفية. وإذا كان البعض يختلف مع بعض اجتهاداته، فإن ذلك لا يلغي أثره الكبير في نشر الثقافة الدينية وتبسيط معاني القرآن لملايين المسلمين.
كما أن ظاهرة "الهجوم الموسمي" تكشف أحيانًا عن أزمة أعمق في علاقتنا برموزنا. فنحن بين طرفين: طرف يرفض أي نقد ويرفع الشخصيات إلى مرتبة العصمة، وطرف آخر يتعامل معها بروح الهدم الكامل، وكأن الخطأ الجزئي يسقط المنجز الكلي. والحقيقة أن التوازن هو الطريق الأقوم: تقدير الجهد، مع الإقرار بإمكانية الخطأ.
لا يمكن إنكار أن الشيخ الشعراوي كان له تأثير اجتماعي واسع؛ فقد أسهم في إعادة الاعتبار للخطاب الديني في مرحلة كان فيها كثير من الناس يبحثون عن مرجعية روحية واضحة. طريقته في ضرب الأمثلة الحياتية، واستحضار الصور البلاغية، وربط النص القرآني بواقع الناس، جعلت تفسيره قريبًا من القلوب قبل العقول. وهذا الأثر لا يمحوه جدل عابر أو حملة إلكترونية مؤقتة.
إن النقد العلمي الرصين مرحب به، بل مطلوب، شرط أن يقوم على قراءة شاملة ومنهجية عادلة. أما تحويل سيرة عالم راحل إلى ساحة لتصفية الحسابات الأيديولوجية أو لتحقيق مكاسب جدلية سريعة، فذلك لا يخدم الحقيقة ولا يثري النقاش العام. فالتاريخ لا يُقرأ بعين الغضب، ولا يُكتب بروح الانتقام.
يبقى السؤال الأهم: لماذا تتكرر مثل هذه المواسم؟ ربما لأن المجتمعات التي تمر بتحولات كبرى تميل إلى إعادة فحص رموزها، وربما لأن وسائل التواصل الاجتماعي تضخم الخلافات وتدفعها إلى الواجهة بسرعة غير مسبوقة. لكن في خضم ذلك كله، يظل الوعي النقدي المتزن هو الضامن الوحيد لعدم الانزلاق إلى فوضى الأحكام.
لقد رحل الشيخ محمد متولي الشعراوي عن دنيانا، وبقي تراثه بين أيدينا. من شاء أن يستفيد فليقرأ ويسمع ويتدبر، ومن شاء أن يناقش فليفعل بأدب وعلم. فالأمة التي تحترم علماءها، دون أن تؤلههم، وتناقش تراثها، دون أن تهدمه، هي أمة قادرة على التقدم بثبات وثقة.
إن موسم الهجوم قد يعلو صوته حينًا، لكنه سرعان ما يخفت، أما الكلمة الصادقة والأثر الحقيقي فيبقيان. وفي النهاية، يبقى الإنصاف هو الميزان، والعدل في الحكم هو الطريق، والوعي هو الحصن الذي يحمي مجتمعاتنا من الإفراط والتفريط.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية