تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
المعارك الوهمية ..وتغييب الوعي المجتمعي !!
ظاهرة غريبة وخطيرة نعاني منها الآن تتمثل في الإغراق في المعارك الوهمية والقضايا الهامشية، على حساب القضايا الأساسية المرتبطة ببناء الدولة وترسيخ أركانها. هذه الظاهرة لا تقل خطورة عن التحديات الاقتصادية أو الأمنية، بل قد تكون أخطر، لأنها تستنزف الوعي، وتبدد الجهود، وتُشغل الرأي العام بمعارك لا طائل منها، بينما تتراجع الأولويات الحقيقية إلى الصفوف الخلفية.
المعارك الوهمية هي تلك القضايا التي تُصنع أو تُضخّم إعلاميًا واجتماعيًا دون أن يكون لها تأثير حقيقي في مسار الوطن أو حياة المواطنين. قد تكون جدلًا حول تصريح عابر، أو اختلافًا مفتعلًا حول قضية ثانوية، أو صراعًا كلاميًا بين أطراف تبحث عن الظهور أو المكاسب السريعة. وهذا ما نشاهده الآن على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض الشاشات الإعلامية، المشكلة لا تكمن في وجود الاختلاف أو النقاش، فذلك أمر صحي، بل في تحويل الهامشي إلى رئيسي ، والمؤقت إلى مصيري، حتى يصبح كأنه معركة وجود، بينما هو في حقيقته لا يضيف لبنة واحدة في بناء الدولة.
أما القضايا الهامشية، فهي تلك التي لا تمس جوهر التنمية ولا تؤثر في مستقبل الأوطان، لكنها تُقدَّم للرأي العام وكأنها قضايا الساعة. ويتم ذلك أحيانًا بدافع الإثارة الإعلامية، وأحيانًا أخرى نتيجة فراغ فكري أو غياب رؤية واضحة للأولويات. فينشغل الناس بالسجال والمهاترات التي لاتسمن ولا تغني من جوع ، ويتحول الفضاء العام إلى ساحة صراع لفظي، تتراجع فيه لغة العقل، ويعلو فيه صوت الانفعال.
الخطر الأكبر في هذا الإغراق، أنه يسحب الطاقة المجتمعية بعيدًا عن القضايا الجوهرية: التعليم، والصحة، والاقتصاد، وبناء الإنسان، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز قيم العمل والانتماء. فالدول لا تُبنى بالضجيج، ولا تنهض بالصراخ، وإنما تُقام على التخطيط، والعمل المتواصل، وتراكم الجهود، واحترام التخصص، وربط النقاش العام بالأهداف الوطنية الكبرى.
إن بناء الدولة يحتاج إلى وعي جمعي يميز بين ما هو مهم وما هو مهمش، وبين ما يستحق النقاش العميق وما يجب تجاوزه. ويحتاج كذلك إلى إعلام مسؤول لا يلهث خلف التريند، ولا يضخم الخلافات الثانوية، بل يوجه بوصلة الاهتمام نحو ما يخدم الصالح العام. فالإعلام شريك أساسي في تشكيل الوعي، إما أن يكون أداة بناء، أو يتحول – دون قصد أحيانًا – إلى معول هدم.
ولا يمكن إغفال دور وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق هذه الظاهرة، حيث أصبح من السهل صناعة قضية وهمية خلال ساعات، ودفع الآلاف للاشتباك حولها، دون تحقق أو وعي بالسياق. ومع تكرار ذلك، يعتاد الناس الانشغال بالقشور، ويضعف اهتمامهم بالأساسيات، وتضيع القدرة على ترتيب الأولويات.
إن ترك الأساسيات والانغماس في المعارك الوهمية ينعكس سلبًا على مسار التنمية. فالدولة التي تنشغل نخبها وجماهيرها بصراعات جانبية، تفقد التركيز على مشروعاتها الكبرى، وتتراجع قدرتها على مواجهة التحديات الحقيقية. كما أن هذا الانشغال يخلق حالة من الإحباط العام، حين يكتشف المواطن بعد طول جدل أن شيئًا لم يتغير، وأن القضايا المصيرية ما زالت تنتظر حلولًا.
لا يمكن لأمة أن تتقدم وهي غارقة في معارك وهمية، ولا لدولة أن تُبنى على قضايا هامشية. إن التحدي الحقيقي أمام مجتمعاتنا اليوم هو استعادة البوصلة، وإعادة ترتيب الأولويات، والانتقال من ثقافة الجدل العقيم إلى ثقافة العمل الجاد. فالتاريخ لا يذكر من ضجّوا كثيرًا، بل يخلّد من بنوا، وصبروا، ووضعوا الأساس قبل أن يرفعوا الشعارات.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية