تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

تطور خطير بين إثيوبيا والسودان

بينما تتجه أنظار العالم نحو «ملحمة الغضب» والصدام الإسرائيلي- الأمريكي- الإيرانى، تتقاطع «أجنحة الموت» الصامتة، مع صراخ الجغرافيا المثقلة بالجراح فى حوض النيل والقرن الإفريقي؛ تحركت إثيوبيا لضرب العمق السودانى، مستغلة الفراغ الأمنى الإقليمى لقضم الأراضى وفرض سيطرة عسكرية تضع السودان- وبالتالى مصر- أمام «أمر واقع» جديد فى ملفات المياه والسيادة، فى «توزيع أدوار» يندرج ضمن المخطط الصهيونى لصياغة «الشرق الأوسط الجديد»؛ وتشتيت الانتباه العربى عن المخطط.

 

يفيض النيل بالخير تارة وبالسياسة تارات؛ اليوم تعيد «الطائرات المسيّرة» الإثيوبية رسم خريطة الوجع بين الخرطوم وأديس أبابا؛ ففى حين يحاول السودان لملمة جراحه النازفة من حرب داخلية ضروس- كانت إثيوبيا أحد المشاركين فى إشعالها، عبر مساندة ميليشيا «الدعم السريع»- تعاود إثيوبيا اليوم الانغماس فى الحرب بشكل مباشر وسافر؛ بدخولها على خط المواجهة، ليس بجنود يحملون البنادق، بل بـ «طنين» غادر ينبعث من السماء، هاجمت بالمسيرات العمق السودانى، فى رسالة سياسية مكتوبة بلهب الصواريخ، ومغلفة بغبار القرن الإفريقى المتطاير.

دخلت الحرب فى السودان عامها الثالث، واستقطبت دعما من أطراف خارجية عدة؛ ما حولها إلى ساحة تنافس إقليمى أوسع. فى هذا السياق تتكثف الاتهامات لإثيوبيا بدعم ميليشيا الدعم السريع؛ بإقامة معسكرات التدريب على الحدود مع السودان وتجميع المرتزقة وتمرير الإمدادات العسكرية، خاصة فى مناطق مثل النيل الأزرق وبنى شنجول والفشقة والقضارف، ما يحول الحدود إلى مسرح اشتباكات محدودة أو عمليات عسكرية غير معلنة؛ ومؤخرا أعلنت الخارجية السودانية رصد «مسيرات إثيوبية» شنت ضربات داخل الأراضى السودانية. وكأن أديس أبابا تقول: «سيادتنا تمتد حيث تصل طائراتنا».

هذا ليس مجرد احتكاك حدودي؛ إذ تمر العلاقات السودانية - الإثيوبية بمرحلة شديدة الحساسية، انسداد استراتيجى، الصدام لم يصل إلى الحرب المباشرة، لكنه يفقد تدريجيا أدوات الاحتواء التقليدية، وقد تتجه الأزمة إلى احتواء محدود تقوده ضغوط إقليمية ودولية.

يأتى ذلك فى وقت تتعنت إثيوبيا فى ملف «سد النهضة»، لم ترد على مبادرة الرئيس الأمريكى بهذا الشأن، وتواصل صلفها بطرح مناقصة لإنشاء ثلاثة سدود جديدة على روافد النيل الأزرق؛ وتلوح باستخدام القوة لانتزاع ميناء على البحر الأحمر من أحد بلدان القرن الإفريقي؛ فى إصرار على تنفيذ مخططات الهيمنة وتغيير موازين القوى الإقليمية، دون رعاية مصالح جيرانها، بغض النظر عن نتائجها الكارثية. هذا التصعيد الإثيوبى حلقة أخرى فى مخطط نشر الفوضى فى السودان والصومال؛ لفرض واقع سياسى وعسكرى يخدم مصالح إسرائيل والقوى التى تسعى لمحاصرة الدور المصرى فى محيطه الحيوى.

يؤشر التمدد الإثيوبي- بدعم من أطراف إقليمية- وإمكانية اشتعال الحدود مع السودان؛ لتفتيت ما تبقى من استقرار وعسكرة حوض النيل والقرن الإفريقى، وهى منطقة مضطربة أصلا، ما يحول النيل من شريان حياة إلى «خندق مواجهة»؛ يمكن أن يفجر التدخل الإثيوبى صراع القوميات فى القرن الإفريقى كأحجار «الدومينو»؛ فإذا اهتز السودان بفعل التدخل الخارجى، ستتداعى قطع الاستقرار فى إريتريا، الصومال، وحتى جيبوتي؛ كما يرغب أبى أحمد فى تحويل السودان إلى «جبهة خلفية» فى الصراع بين أديس أبابا وأسمرة، فالتنافس بين رئيس الوزراء الإثيوبى آبى أحمد والرئيس الإريترى أسياس أفورقى لا يدور على الحدود فقط، بل يمتد أيضا إلى محاولة كل طرف إعادة تشكيل البيئة الأمنية فى الجوار.

تهرب إثيوبيا من أزماتها الداخلية باختراع «عدو خارجى»، لكنها تخاطر بخلق عداء «تاريخى» مع الشعوب المجاورة، يمتد لأجيال؛ واختيار إثيوبيا هذا التوقيت لضرب السودان، يمثل ضوءا أخضر للمشاركة فى رسم «الشرق الأوسط الجديد»؛ من بوابة العدوان على السودان والصومال وإريتريا وزعزعة استقرار الإقليم وتطويق الأمن القومى المصري؛ كى يتم الإجهاز على مركزية الدول الكبرى فى القرن الإفريقى وتحويلها لدويلات ممزقة.

تلعب إثيوبيا دور «الوكيل» المنفذ لمخططات إسرائيل فى البحر الأحمر والقرن الإفريقي؛ فى تطور عسكرى بالغ الخطورة يهدد بانفجار الجبهة الجنوبية لوادى النيل، إن حضور إسرائيل المتنامى بالقرن الإفريقى، عبر تعميق علاقاتها مع إثيوبيا، لا يقرأ فى الخرطوم بمعزل عن ملف «السد»، ومع تداول تقارير عن مشاركة خبراء إسرائيليين فى مجالات تقنية مرتبطة بالأمن والمياه؛ تتزايد المخاوف السودانية من أن هذا الدعم الخارجى يقلص فرص التوصل إلى ترتيبات ملزمة حول تشغيل السد؛ فى مناخ إقليمى تتشابك فيه حسابات الأمن المائى مع صراعات النفوذ فى البحر الأحمر.

إن طموحات إثيوبيا الجيوسياسية، سواء فى قضية «السد»، أم سعيها للحصول على منفذ بحرى، تتقاطع مع مصالح مصر والسودان وإريتريا والصومال، ما يجعل أمن الخرطوم ومقديشو وأسمرة جزءا من «معركة البقاء» المصرية، وبينما يعانى السودان هشاشة داخلية عميقة، تفتح سلوكيات أديس أبابا العدوانية تجاه الخرطوم جبهة نار جديدة؛ بإيعاز ممن يريدون إعادة تشكيل المنطقة. هذا العدوان الإثيوبى ليس شأنا داخليا، بل يقترب من «خط أحمر» مصرى، فالمساس بأمن السودان ووحدته تهديد مباشر للأمن القومى المصرى والعربى. واختبار للإرادة السودانية والمصرية فى الدفاع عن الأمن القومى المشترك للبلدين وما حولهما؛ تدرك الخرطوم والقاهرة أن إنشاء واقع معاد فى شرق السودان بمثابة مسمار أخير يحاول أعداء المنطقة دقه فى نعش الاستقرار العربى والإفريقى، بينما ينشغل الجميع بدخان الانفجارات على ضفتى الخليج؛ لذا لزم التنويه!.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية