تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
تأملات فى الصداقة
رن جرس الموبايل وجاءنى صوتها الضاحك قائلا فى حماسة: أهلا.. أهلا بصديقتى العزيزة.. عرفتها على الفور رغم أننا لم نتحدث منذ سنوات طويلة.. صديقة الطفولة ومقعد الدراسة التى تزوجت مبكرا جدا.. بعد أن أنهينا المرحلة الثانوية وسافرت مع زوجها إلى كندا وهناك درست فى جامعاتها وحصلت على بكالوريوس الهندسة وانقطعت أخبارها عنا نهائيا.. تدفقت الكلمات فى حرارة تصحبها القفشات والضحكات.. ذكريات عزيزة مازالت حاضرة تتحدى الزمان.. وظل الحديث ممتدا بيننا لأكثر من ساعة واتفقنا فى النهاية على موعد للقاء.. وبعد أن أغلقت المكالمة تساءلت فى تعجب كيف استمر حديثنا هكذا فى يسر وسلاسة وكأننا كنا معا البارحة فقط؟!.. لم نجد صعوبة فى الاسترسال والحكى فى تفاصيل صغيرة وكبيرة تفصح معها عن مودة ومحبة لم تستطع سنوات الفراق أن تغير منها.
الصداقة في سن الطفولة لها سحر خاص.. فالمدرسة تنتزع الطفل من حضن من يحبونه.. وهي صدمة تظل قاسية بالنسبة له حتى تنشأ صداقة مع رفاقه فيكتشف أنه معهم يدخل في عالم أكثر ثراء من عالم الأسرة.
صداقات الطفولة والمدرسة ولدت فى زمن البراءة والصفاء النفسى.. لهذا فهى لا تحمل معها مشاكل وأزمات علاقات المصالح والأنانية والانحيازات التى يعرفها الكبار.. وربما لهذا السبب تحديدا تدوم وتستمر عبر الزمان.. إلا أنها على صعيد آخر لا تعبر عن شخصية المرء الحقيقية التى تبدأ فى التبلور والنضوج فى سنوات الجامعة وما بعدها.. هنا يمكن اختيار أصدقائنا عن وعى وفكر واضح يتيح إلى حد كبير استمرار الصداقة وتطورها.. لكن الأمر ليس بهذه البساطة..
فالصداقة مثلها مثل سائر العلاقات تتعرض للمحن والأزمات..فهى تحتاح إلى الرعاية والعناية بها حتى لا تذبل وتنتهى.. فالخلافات قد تدب والمناقشات تحتدم.. وفى أحيان كثيرة تدخل الغيرة فى القلوب فتتعكر العلاقات وتفسد.. ما يجعلنا نسمو على كل هذه الأمور هو تمسكنا بأصدقائنا.. وأيضاَ شعورنا بالمحبة والمعزة تجاههم.. نتجاوز كثيرا فى أمور لا تروق لنا فقط لأننا نشعر بمحبتنا وحاجتنا لهم.. وربما لشعورنا بأن هذه الاختلافات تصنع مذاقا خاصا فى علاقتنا..
عجيب أمر الصداقة فعلاً.. صداقات تستمر وتتحدى الزمن وأخرى تنتهى وتضيع فى زحام الحياة.. صداقات تنمو وتزدهر رغم اختلاف التوجهات وتباعد الانتماءات.. وأخرى تنطفئ وتذبل رغم تقارب الآراء والخصال.. وتساءلت هل الصداقة مثلها مثل الكائنات الحية لها عمر ونهاية؟ وهل نحن نختار أصدقاءنا بالفعل أم أن المصادفة وظروف الحياة لها الكلمة الأخيرة؟.
أسئلة كثيرة تدور فى ذهنى وأنا أتأمل صداقات عديدة مرت فى حياتى.. بعضها استمر رغم التباعد المكانى وبعضها اندثر رغم التقارب فى أمور عديدة..
ولعل أهم ما يميز علاقات الصداقة أننا نملك فيها إلى حد ما الاختيار.. فنحن مسئولون بنسبة كبيرة عن اختياراتنا لصداقتنا.. عكس العلاقات الأسرية.. نحن لا نختار آباءنا وأمهاتنا وإخواننا.. بل إننا نجىء للحياة ونجد أنفسنا فى خضم أسرة محددة علينا العيش معها وتقبلها أيا كان رأينا فيها.
الصداقة لا تفلت من النفاق.. فالصديق الحق عملة نادرة إلى الحد الذي جعل العرب يعتبرون الخل الوفي من المستحيلات.. وتكون المحن والأزمات بمثابة اختبار لصلابة الصداقة.
وهناك علاقات الزمالة التى تختلف بالتأكيد عن الصداقة لكنها تكتسب مع ذلك أهمية فى الحياة، وقد تستمر بحكم العمل أو الدراسة أو التدريب فى مجال ما.. حقاً لا يختارها المرء بمحض إرادته لكنها مع الأيام تحمل المودة وقد تتحول إلى صداقة حقيقية نعتز بها..
والمدهش أيضا أن بعض علاقات الصداقة تتكون وتنمو حينما يتشارك المرء فى أزمة مع إنسان لا يعرفه.. فالأزمات والمحن تجعلنا نتقارب من بعضنا البعض وتنفض عنا مشاعر الوحدة والعزلة وكأنها تقول لنا لست وحدك.. هناك من يعانى مثلك.. هذا الشعور برأيى يصنع نوعا خاصا من الصداقة العزيزة.
ومن الأمور التى تبعث على الدهشة أيضا أن الصداقة لا تعترف بالعمر.. فقد تنشأ بين شيخ طاعن فى السن وشاب صغير فى مقتبل حياته.. فالعمر هنا ليس له أهمية، المهم التوافق النفسى والتقارب الفكرى والعاطفى.. وهى لا تعترف كذلك بالفوارق الطبقية.. قد تجد ثريا صديقا لرجل متواضع لكنه يجد راحة نفسية فى الحديث معه ومن ثم التخفف من أعباء كثيرة تشغل باله وتثقل كاهله.
والمدهش أيضا فى الصداقة أنها قد تجمع بين شخصيات متناقضة فى الطباع والسلوكيات.. فنجد شخصا عصبيا يثور ويحتد لأتفه الأسباب بينما صديقه المقرب الذى لا يفارقه هادئ لا يتحدث كثيرا.. وكأن هذا التناقض يمنح نوعا من التوازن فى العلاقة فيجعلها تستمر وتمضى فى هدوء..
ولا ينبغى أن نغفل الصداقة التى تنشأ بين الرجل والمرأة هذه الصداقة التى ينظر إليها الكثيرون بتشكك وريبة وعدم ارتياح.. وربما كان ذلك بسبب أن المرأة ظلت عصورا طويلة حبيسة جدران البيوت.. ولكن ما إن خرجت المرأة للتعليم والعمل أصبحت الصداقة بين الرجال والنساء أمرا طبيعيا وانعدام الصداقة بينهما هو الغريب، وليتذكر كل منا شلة أصدقائه وصديقاته المقربين في الجامعة..
وصداقة الإنسان مع الحيوان صداقة قديمة جداً.. عرفها الإنسان البدائى منذ فجر التاريخ.. فكانت الكلاب على سبيل المثال ترافقه فى تنقلاته الكثيرة عبر الجبال والغابات والأحراش وتمنحه الحماية والأمان..واستمرت علاقة الإنسان مع الحيوان عبر الزمان.. فالإنسان فى زمننا الحديث هذا لايزال يجد فى رفقة كلب أو قطة ونيسا وصديقا يمنحه الدفء والأمان.
وأخيرا قال القدماء: اختر الصديق قبل الطريق.. فالحياة مليئة بالمصاعب والهموم.. ولذا يعد الصديق هو السند والونس وزفرة الارتياح التي تعينه على المضى فى دروبها.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية