تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > كرم جبر > ما بعد الحرب.. التحولات القاسية!

ما بعد الحرب.. التحولات القاسية!

لا يبدو أن ما شهدته المنطقة يمكن التعامل معه باعتباره حدثًا عابرًا.. هو لحظة فارقة تتطلب مراجعة عربية شاملة، لا تكتفى بتسجيل الخسائر ورصد التحولات، وإنما تستدعى وقفة مع الذات، لأن الخلل فى كثير من الأحيان لم يكن فقط فى موازين القوى، بل فى طريقة قراءة هذه الموازين والتعامل معها.

الواقع يشير إلى أن الاعتماد المفرط على الخارج قد يخلق وهمًا بالأمان، بينما الحقيقة أن هذا الأمان يظل مرهونًا بحسابات تلك القوى ومصالحها المتغيرة، والمشكلة قد لا تكون فى وجود الضمانات أو غيابها، ولكن غياب مشروع عربى موازٍ قادر على خلق توازن حقيقى، خاصة فى ظل مشروع إقليمى واضح المعالم.

ويبرز سؤال الضمانات الأمنية والعسكرية التى تقدمها قوى دولية وإقليمية، فهذه الضمانات التى بدت لسنوات طويلة بمثابة شبكة أمان، أصبحت اليوم موضع شك، هل هى بالفعل عامل ردع، أم أنها تُسبب المخاطر بدلًا من أن تمنعها؟
 

الأمن لا يُبنى بالسلاح وحده، ويحتاج إلى عمق سياسى واستراتيجى، وهو ما يتطلب الترابط العربى، وقد كشفت الأحداث الأخيرة هشاشة هذا الترابط، صحيح أن العودة إلى نموذج القيادة العربية الموحدة طموحًا بعيد المنال، لكن ذلك لا يبرر استمرار حالة التشتت، وأن تستمر كل دولة فى إدارة أمنها بمعزل عن محيطها.

أما على المستوى العسكرى، فقد أظهرت الحرب الأخيرة تطورًا فى قدرات دول الخليج على اعتراض الصواريخ والتعامل مع التهديدات المباشرة، غير أن هذا التطور رغم أهميته، يظل ناقصًا إذا بقى فى إطار ضيق، والتحدى الحقيقى يكمن فى الانتقال من قدرات متفرقة إلى منظومة دفاعية موحدة، حيث يصبح أى اعتداء على دولة، بمثابة اعتداء على الجميع، وهذا النوع من التنسيق لا يعزز فقط القدرة الدفاعية، بل يبعث أيضًا برسالة ردع واضحة إلى أى طرف يفكر فى المغامرة.

وفى خضم هذه التعقيدات، تبرز «اتفاقات أبراهام»، التى يريد ترامب فرضها لصالح إسرائيل، كأحد مكاسب الحرب، ويُروَّج لها باعتبارها مدخلًا لتعزيز الاستقرار، وتثير مخاوف حقيقية تتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية والتوازنات الإقليمية، فإذا كانت هذه الاتفاقات ستؤدى إلى تجاهل حل الدولتين، أو إلى تكريس واقع أحادى تفرضه إسرائيل، فإنها تتحول إلى عامل توتر وأزمات لا يمكن حلها.

والسؤال الأكثر تعقيدًا، هو شكل العلاقة المستقبلية بين إيران وجيرانها، فالتصعيد الأخير يترك جروحًا عميقة لا يمكن تجاوزها بسهولة، ومع ذلك فهناك حقائق لا يمكن القفز فوقها، أهمها أن إيران باقية، كما أن دول الخليج والدول العربية باقية، والخيار الواقعى لا يكمن فى القطيعة، بل فى إعادة بناء العلاقة على أسس جديدة تقوم على احترام السيادة ووقف التدخلات، ومشاريع التوسع وتصدير الأزمات.

لا يمكن لأى دولة أن تعزل نفسها عن التحولات الكبرى، الولايات المتحدة ستعيد ترتيب تحالفاتها وفق مصالحها، وإسرائيل ستبقى طرفًا معاديًا، ويصبح الخيار العربى الوحيد القابل للحياة، هو الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن التشتت إلى التنسيق، وإلا ستبقى المنطقة رهينة حسابات الآخرين.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية