تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > كرم جبر > لماذا لا يفهم الإخوان؟

لماذا لا يفهم الإخوان؟

يظل السؤال الحائر منذ عقود: لماذا لا يفهم الإخوان؟، ولماذا تُصرّ الجماعة على تكرار الأخطاء ذاتها، وكأنها أسيرة لأوهام قديمة لا ترى الواقع ولا تعترف بمتغيراته؟، والحقيقة أن مأزق الإخوان هو مقدماتهم الخاطئة التى يبنون عليها رؤيتهم، ثم ينتهون إلى نتائج كارثية عليهم وعلى من حولهم.
تتصرف قيادات الجماعة، خاصة الهاربة إلى الخارج، كما لو أن مصر تعيش على حافة الانهيار، وتنتظر «المنقذ» الذى يعيدهم إلى السلطة، وتنبع القراءة التخيلية من الشعور بالغربة والانفصال عن الواقع، وتتجاهل ما جرى من تحولات عميقة فى الدولة والمجتمع، لقد نفد رصيد الجماعة لدى المصريين حين اختبرت تجربتها فى الحكم، فتبدّد خطابها وممارساتها المرتبكة، التى لم تدرك طبيعة الدولة ولا تعقيدات إدارتها.
وكان الحدث بالنسبة للإخوان وهو وصولهم للحكم، حلماً جميلاً انتهى إلى كابوسٍ طويل، وبدلاً من أن يتعلموا من تاريخ صداماتهم مع الدولة، اندفعوا إلى المواجهة من جديد، وتجاهلوا أن مصر دولة راسخة، قادرة على ترميم مؤسساتها واستعادة تماسكها، وعندما لجأت الجماعة إلى التصعيد والتحريض والعنف، انقلب السحر على الساحر، وتصاعد الغضب الشعبى وتلاحم عناصر القوة: الشعب والجيش والشرطة، فى مواجهة الإرهاب.
خطأ آخر متجذر عند الإخوان هو الرهان الدائم على الخارج، فقد حاولوا تصوير مصر باعتبارها ساحة فوضى تبحث عمّن ينقذها، بينما كانت الدولة توسّع حضورها الإقليمى، وتبنى جيشاً قوياً، وتستعيد زمام المبادرة فى ملفات الأمن والتنمية، ومع كل إنجاز ازداد تناقض خطاب الجماعة، وباتت دعايتها مثيرة للشفقة أكثر من كونها مؤثرة.
سقطت أيضاً استراتيجية «الكذب الناعم»، والوعود الكثيرة الكاذبة التى أطلقتها الجماعة وسرعان ما بدت سراباً وعدم الثقة المجتمع، ولم يكن الخلل فى موقف، بل فى منهج كامل يقوم على تغليب التنظيم على الدولة، والولاء للجماعة على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
لقد أثبتت التجربة أن الهوية المصرية عصية على التفتيت، ولم يعرف المصريون صراعات مذهبية ممزِّقة، وبقيت الدولة الوطنية هى الإطار الذى يحتضن الجميع، وكان مفهوم «الدولة الوطنية» هو المسمار الذى شقّ مشروع الإخوان، لأنه يذكّر بأن شرعية الحكم تُبنى على خدمة الناس، لا على ادعاء احتكار الدين.
ومنذ 2014 دخلت مصر سباق الوقت، مشروعات وبنية تحتية ومحاولات حثيثة لاستعادة الاستقرار، قد تختلف التقييمات، لكن المؤكد أن هذا المسار كشف خواء خطاب الجماعة، وأظهر أن الشعوب لا تُدار بالشعارات، بل بالعمل والمؤسسات.
لهذا كله لا يفهم الإخوان أو ربما لا يريدون أن يفهموا أن العالم تغيّر، وأن ما بنى على وهمٍ يظل وهماً، ما لم تراجع الجماعة جذور فكرتها ومنهجها فى قراءة الدولة والمجتمع، فستبقى تدور فى الحلقة نفسها: مقدمات خاطئة، ثم نتائج كارثية، تتكرر بلا نهاية.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية