تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > كرم جبر > لماذا لا تُصفَّد «شياطين الإنس» في رمضان؟

لماذا لا تُصفَّد «شياطين الإنس» في رمضان؟

شياطين الجن يُصفدون فى رمضان، أما شياطين الإنس فلا يختبئون ولا يهدأون، ويظهرون فى الشوارع والحوارى والبيوت وعلى الشاشات، ينتهكون القيم ويستبيحون الرذائل ويروجون الشكوك، وهؤلاء لا تُقيدهم سلاسل تمنع شرورهم، لأن أدواتهم ليست وساوس، بل كلمة وصورة وأفعال وتأثير.

النفس البشرية مزيج معقّد من الرغبات والميول والخير والشر، وقدرة فائقة على تبرير الأفعال، ولهذا يظل الشر ممكنًا حتى فى شهر الرحمة، لأن جذوره كامنة فى الإنسان نفسه، وعندما لا يراقب الإنسان قلبه وأفعاله، يمكن أن يستمر فى الخطأ مهما كانت الأجواء من حوله مليئة بالخير.

وداخل الإنسان متاهة أكثر تعقيدًا من أى مؤثر خارجى، وممرات للرغبات وأروقة للتبرير وغرف مظلمة، وأخطر شيطان لا يأتى من الخارج، بل يولد فى هذه المتاهة داخل الإنسان، يتحدث بصوت العقل، ويمنح الرغبة خطابًا فلسفيًا، ويحوّل الانحراف إلى «اختلاف مشروع».. رمضان لا يقيد هذا الصوت، بل يضيء المتاهة، فتظهر الجدران والمسارات والخيارات بوضوح قاسٍ.

رمضان لحظة كونية يتلاقى فيها الزمن والروح، هو ظاهرة أخلاقية بقدر ما هو عبادة، لحظة يخفت فيها ضجيج الكون المحيط ويعلو ضجيج الكون الداخلى، ويقف الإنسان أمام «مرصد روحى» يرى فيه ذاته بلا تشويش ولا وساطة ولا أعذار.

ومن شياطين الجن من عالم الغيب، وشياطين الإنس من عالم الواقع، الأولون يُقيَّدون لأنهم خارج تجربة الاختيار البشرى، أما الآخرون فيبقون أحرارًا لأنهم جزء من المشهد الذى يُختبر فيه الإنسان، تُترك الإرادات تتصادم، والأفكار تتصارع، والقيم تُعاد صياغتها فى فضاء مفتوح لا تحكمه إلا المسئولية.

الأرض ساحة امتحان والسماء سجل حساب، وفى رمضان تُسلسل الشياطين فى السماء، لكن على الأرض يستمر الامتحان، لأن الشر لا يُلغى بل يُواجه، ولو صُفِّدت شياطين الإنس، لأُغلقت مساحة الاختيار، وتعطلت فكرة المسئولية، وتحولت الحياة إلى مسرح بلا صراع أخلاقى، وبلا معنى للفضيلة.

الإنسان قد يكون شيطان نفسه، قد لا يحتاج إلى وسوسة ليكذب أو يخون، وحين تُترك النفس بلا ضمير، تصبح جهازًا لتبرير الأخطاء وتجميل الرغبات وإخفاء الحقيقة عن صاحبها، رمضان لا يقيد النفس، بل يوقظها ويضعها أمام مرآتها، حيث لا تنفع الأقنعة ولا تُجدى الحيل.

رمضان امتحان للوعى قبل أن يكون طقوسًا، والنجاح فيه ليس فى الامتناع عن الطعام وحده، بل فى القدرة على تمييز صوت الضجيج من صوت الضمير، والخطاب المضلل من الحقيقة الصامتة، هو اختبار أمام الكلمة والصورة والفكرة، لا أمام الطعام والشراب فقط.

لذلك لا تُصفَّد شياطين الإنس، لأن الإنسان حر، والحرية هى الامتحان، ولا يختبر فيها الإنسان بساعات الصيام، بل بعدد المرات التى قاوم فيها شيطانًا يريد أن يلبسه.

الحديث النبوى الشريف «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلّقت أبواب النار، وصُفدت الشياطين».. معنى صُفدت غُلت وقيدت لتقليل الشرور والمعاصى.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية