تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > كرم جبر > الغناء ظاهرة سيادية.. هكذا أم كلثوم!

الغناء ظاهرة سيادية.. هكذا أم كلثوم!

حين نكتب عن أم كلثوم فى الذكرى الحادية والخمسين لرحيلها، نؤرخ لظاهرة سيادية وحالة قومية استثنائية اسمها «الست»، لم تكن صوتًا يصدح فى الخميس الأول من كل شهر، بل مؤسسة وطنية قائمة بذاتها، ووزيرة للمشاعر العربية، ومحركًا لوجدان ملايين البشر من المحيط إلى الخليج.
كانت أم كلثوم تدرك بحدسها العميق أن الكلمة والنغم سلاح يتجاوز فى تأثيره قوة المدافع، وجسّدت قيم الرقى والتحضر فى أدائها، مؤمنةً بأن أغانيها فى جوهرها تعبير عن موقف ثقافى وانتماء وطنى راسخ.
اليوم تتضاعف حاجتنا لنفض الغبار عن قيمنا الأصيلة، ليس من قبيل الحنين إلى الماضى، بل لإعادة إحياء معايير الفنان المنضبط، القدوة التى تجسدها أم كلثوم، والفنان الذى يدرك أن الإبداع ليس مجرد شهرة، بل هو رسالة قومية ومسئولية أخلاقية تجاه المجتمع.
لم تكن رحلات أم كلثوم إلى العواصم العربية جولات فنية، بل بعثات دبلوماسية رفيعة المستوى، فى السودان عام ١٩٦٨، تحولت الخرطوم إلى عرس وطنى، توقفت المصالح الحكومية، واصطف الناس من المطار حتى القصر الجمهورى، وحين غنت «أغدًا ألقاك» للشاعر السودانى الهادى آدم، كانت توقع ميثاق أخوة أبدية بين شعبى وادى النيل.
وفى تونس كسر الرئيس الحبيب بورقيبة البروتوكولات، واستقبلها بنفسه فى المطار، وفى ملعب المنزه وقف الجمهور التونسى مبهورًا، ومنحها بورقيبة وسام الجمهورية، مؤكدًا أن صوتها هو الرابط الحقيقى بين العرب حين تعجز السياسة عن الجمع.
أما حفلة «الأولمبيا» فى باريس عام ١٩٦٧، فكانت المعركة الأشرس، بعد شهور قليلة من النكسة، ذهبت أم كلثوم إلى قلب أوروبا، تحمل جرح وطن، ووقفت على المسرح بشموخ الأهرامات، وأرسل شارل ديجول برقيته الشهيرة، واصفًا إياها بالسيدة التى لمست قلوب الفرنسيين، وأعادت أم كلثوم تعريف صورة الإنسان العربى من مهزوم إلى صاحب حضارة وعمق إنسانى.
وكانت هناك جبهة أخرى لجيش ناعم قادته أم كلثوم مع عبد الحليم حافظ، وجابت العواصم لجمع التبرعات للمجهود الحربى، وغنت للوطن قبل أن يتكلم الرصاص، من «والله زمان يا سلاحى» إلى «أصبح عندى الآن بندقية»، وكانت أغانيها بيانات صمود، توحد الجبهة الداخلية، وتحمى الوعى الجمعى.
وتمثل واقعة «تغطية تمثال أم كلثوم بالنقاب» عام ٢٠١٣، أثناء حكم الإخوان، تجسيداً لمحاولة اغتيال الوعى الجمعى وتجريف منابع القوة الناعمة المصرية، إلا أن «سيدة الغناء العربى»، ابنة الريف المصرى، تظل هى الرد القاطع على محاولات التشويه، فهى الموهبة التى نصّبت القاهرة عاصمة للفن، وركيزة أساسية من ركائز السيادة المصرية.
الهجوم على الرموز الوطنية يمثل هدفاً أساسياً فى «حروب الجيل الرابع»، التى تهدف الى تقويض النماذج الملهمة وتشتيت الهوية، واستحضار سيرة أم كلثوم اليوم ليس مجرد استرجاع عاطفى للماضي، بل هو دعوة لليقظة تهدف إلى استرداد ريادتنا الإبداعية، باعتبارها الحصن المنيع الذى يحمى كيان الوطن.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية