تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

العدالة التاريخية !

إذا خضعت كتابة التاريخ للأهواء السياسية ضاعت العدالة التاريخية، وأصبح حكام مصر السابقون إما ملائكة بلا أخطاء أو شياطين بلا حسنات، وتعرضت رموز سياسية كبرى للظلم وافتقدت روح الحياد والنزاهة.. المتأمل فى مسيرة مصر الحديثة يجد أن «شيطنة» العهود السابقة كانت الأداة الأسهل لضياع الموضوع، ولم ينج أحد من الظلم والتشويه.

حدث ذلك للملك فاروق، حين اختُزل عهده فى صورة كاريكاتورية ظالمة لما أسموه الفاسد النهم، يعشق النساء ويفطر بخروف مشوى، ويقضى ليله بين أطباق الجاتوهات والحلوى، ولم يكن الهدف سرد حقيقة بقدر ما كان تشويهًا متعمدًا لصورة الملكية، وإلقاء حبر أسود على مجتمع كامل، وربط تلك المرحلة حصريًا بـ «مجتمع النصف فى المائة» والفقر والحفاء.

حتى السينما شاركت فى هذا التشويه، مع أن تلك الفترة كانت جزءًا أصيلًا من تاريخنا، تقتضى العدالة عرضها بحلوها ومرها دون تسويد أو تزييف، وشهدت نهضة سياسية وانفتاحًا حضاريًا.

وظُلم محمد نجيب أول رئيس للجمهورية، حين حُددت إقامته فيما سُمى «قصر زينب الوكيل»، وهو فى الحقيقة لم يكن قصرًا بل سجنًا، وعاش الرجل حياة موحشة يضربها صدى الرياح، وكأن المطلوب لم يكن مجرد إبعاده عن الحكم، بل محو اسمه تمامًا من الذاكرة الوطنية، وهو الذى تصدر المشهد فى لحظات التحول الكبرى.

ولم يسلم جمال عبد الناصر من هذا الظلم، فبعد رحيله اشتعلت معارك التشويه، وادعى البعض أن السادات يسير على خطاه «بأستيكة» وظهرت أفلام مثل «الكرنك» و«إحنا بتوع الأتوبيس» ترسم صورة قاتمة عن التعذيب، ونسج الإخوان قصصًا اختلط فيها القليل من الحق بالكثير من الباطل للنيل من عصره، حتى وصلت ذروة الهجوم فى عبارة إخوانية: «الستينات وما أدراك ما الستينات».

ثم جاء الدور على الرئيس أنور السادات بطل الحرب والسلام، الذى اتُهم بالخيانة لأنه اختار السلام واسترد الأرض والكرامة الوطنية، لكن التاريخ أنصفه بعد موته، وأدرك خصومه -بعد فوات الأوان- أن رؤيته أنقذت مصر من الفقر والخراب والحروب، وتمنى خصومه لو حققوا جزءًا من إنجازه.

أما الرئيس حسنى مبارك، فكان من أكثر من تعرضوا للظلم، رغم كونه زعيمًا وطنيًا حافظ على الثوابت والاستقرار لثلاثة عقود، إلا أنه واجه حملة قاسية، وشاءت إرادة الله أن يُرد اعتباره فى حياته، وأن ينزاح عنه هذا الظلم، حتى اعترف الكثيرون ممن أساءوا إليه بخطئهم بعد أن هدأت العواصف وتجلت الحقائق.

الخلاصة: حكم مصر ليس سهلًا، والمصريون رغم طيبتهم شعب عنيد، يتمتعون بذكاء حياتى يجعلهم ينحازون إلى الحق ولو بعد حين، والعدالة التاريخية تتطلب قراءة الماضى برؤية عادلة وفاحصة لا بعيون منحازة وحاقدة، لنمنح كل ذى حق حقه بعيدًا عن صراعات السياسة الضيقة.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية