تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > فتحى محمود > «صحاب الأرض» .. ومعركة الوعى

«صحاب الأرض» .. ومعركة الوعى

تعد الدراما التليفزيونية قوة مؤثرة على وجدان وعقل المشاهد نفسيا وثقافيا واجتماعيا وحياتيا، فهى قادرة على إثارة المشاعر، تشكيل الأفكار، والتأثير فى السلوك، وتدفع المشاهد للتفكير وإعادة تقييم آرائه، وقد تغيّر نظرته تجاه موضوعات مهمة، وتعزز الإحساس بالانتماء عندما تعكس مشكلات واقعية يعيشها المجتمع، وترسّخ قيما إيجابية كثيرة.

من هنا تنبع أهمية المسلسلات التى تعرض فى شهر رمضان، حيث ترتفع معدلات المشاهدة بشكل غير مسبوق، من جميع الفئات العمرية والشرائح الاجتماعية، ليس فى مصر فقط ولكن على امتداد العالم العربى كله.

وبرغم أننا مازلنا فى الأسبوع الأول من الشهر الكريم، فإنه من الواضح ان موسم مسلسلات رمضان الحالى سيكون من المواسم القوية والمميزة، حيث يشهد تنافسًا ملحوظًا بين أعمال متنوعة، وعودة بعض النجوم، وظهور مواهب جديدة فى بطولات مطلقة، مع تركيز أكبر على الجودة والقضايا الواقعية بدلاً من الكم فقط، فكثير من الأعمال مستوحاة من الواقع المصرى، مثل قضايا الأسرة، المحاكم الأسرية، التحديات الاقتصادية، الشباب فى الأحياء الشعبية، والقضايا الإنسانية العميقة، والأهم أعمال درامية تناقش القضايا الوطنية والمتعلقة بالأمن القومى المصرى والعربى، بما يشكل رأس حربة فى معركة الوعى التى نخوضها جميعا فى مواجهة حروب الجيل الخامس والشائعات وأنشطة أهل الشر التى لا تنتهى.

الموسم يعكس محاولة للعودة إلى جذور الدراما المصرية التى تلامس الواقع والمجتمع، مع توازن بين الترفيه والقضايا المؤثرة، وهو ما يجعله موسمًا جيدًا إلى حد كبير حتى الآن، خاصة مع الإقبال الجماهيرى المبكر على بعض الأعمال.

لكن هناك عملين دراميين مميزين للغاية، «صحاب الأرض» و«رأس الأفعى»، قد يبدو انهما فى اتجاهين مختلفين، الأول عن القضية الفلسطينية ومأساة غزة والثانى عن جماعة الإخوان الإرهابية من خلال واحد من أهم قياداتها، لكن الحقيقة انهما يمثلان معا جزءا من عملية توثيق الدفاع عن الأمن القومى المصرى والعربى، ودعم الذاكرة الوطنية.

ويعد مسلسل «صحاب الأرض» هو العمل الدرامى الوحيد فى العالم العربى حاليا الذى يوثق الحرب الإسرائيلية على غزة بطريقة فنية مؤثرة، ويركز على المعاناة الإنسانية لأهالى غزة خلال الحرب بعد 7 أكتوبر 2023، مع تسليط الضوء على صمود الشعب الفلسطينى («أصحاب الأرض» فى عنوانه يشير إلى حقيقة تاريخية تستحق الرواية)، وجرائم الاحتلال والإبادة الجماعية من منظور إنسانى، من خلال قصص حقيقية مستوحاة من الواقع: مثل قصف المنازل، فقدان العائلات، صعوبات قوافل الإغاثة، انقطاع الكهرباء والإنترنت، واستهداف المستشفيات والمدنيين. ويمزج بين الدراما والرومانسية (طبيبة مصرية تجسدها منة شلبى تطوعت فى غزة، ورجل فلسطينى يجسده إياد نصار يحاول إنقاذ ابن أخيه وسط القصف)، ليُظهر الأمل والإنسانية وسط الدمار، وبذلك يتم توظيف الفن كوسيلة توثيق وشهادة على ما يعيشه أهل غزة، لا مجرد دراما ترفيهية، مما جعله ينال إشادات واسعة من الجمهور والنقاد بـ«التأثير العاطفى القوى» و«الدقة فى تصوير المعاناة»، مع تعليقات من أهالى غزة أنفسهم يقولون إنه «صوت من لا صوت له» و«يصور الواقع بدقة مؤلمة».

ولعل أكبر دليل على نجاح هذا المسلسل فى تحقيق الهدف منه، هو تعرضه لهجوم إسرائيلى مكثف، وتخصيص هيئة البث الإسرائيلية وصحف مثل «يديعوت أحرونوت» وقناة 12 فقرات خاصة تهاجمه، وتصفه بـ«الأحادى الجانب» و«خطوة سياسية مصرية محسوبة»، وتخشى تأثيره على عشرات الملايين من المشاهدين.

إن هذا المسلسل يركز على التطورات الإنسانية للحرب (منذ 2023 وحتى وقف إطلاق النار)، ويُسهم فى حفظ الذاكرة الجماعية ونقل القضية الفلسطينية إلى جمهور واسع، خاصة أنه يُبث فى رمضان (ذروة المشاهدة العربية)، ومبنى على أحداث حقيقية، ورغم تركيزه على الجانب الإنسانى أكثر من التحليل السياسى المباشر، لكنه ينجح فى جعل المعاناة مرئية ومؤثرة، وهذا أقوى أنواع التوثيق فى الدراما.

أما مسلسل «رأس الأفعى» فهو من أعمال الدراما الوطنية المستوحاة مباشرة من وقائع حقيقية موثقة، تهدف إلى توثيق الجرائم التى ارتكبتها جماعة الإخوان المسلمين، ويكشف الوجه الحقيقى للجماعة من خلال دور القيادى محمود عزت (الذى يُشار إليه بـ«رأس الأفعى») كعقل مدبر يدير التنظيم من الظل، مع شبكات التمويل والتواصل السرية والصراعات الداخلية، وهو توثيق للتاريخ:يعتمد على تحقيقات قضائية وأحكام محاكم وشهادات موثقة، ليروى جرائم الإخوان بعد 2013 بطريقة درامية واقعية، ليعرف جيل الشباب الصغير الذى لم يعش تلك الفترة حقيقة ما حدث، ومواجهة رواية «المظلومية» التى تروجها الجماعة.

وأهمية هذا المسلسل أنه يسهم فى رفع الوعى بخطورة جماعة الإخوان ويكشف الهيكل السرى والقيادة الخفية بفضح كيفية إدارة محمود عزت (ومن معه) للتنظيم بعد 2013، مع الاعتماد على مرجعيات فكرية متطرفة (مرتبطة بسيد قطب) لتجنيد العناصر ودفعهم لعمليات تخريبية دون كشف كامل الحقيقة لهم، ولذلك يعرض المسلسل عمليات إرهابية حقيقية (مثل محاولة تفجير فى مترو الأنفاق) وكيف تم إحباطها، مع التركيز على توريط القواعد وتضليلها من القيادات، ويضع المشاهد فى قلب كواليس الأحداث، مما يجعل الحقائق أكثر تأثيرا عاطفيا وأسهل استيعابا، ويحول الوعى من معلومات جافة إلى تجربة حية، ويحول الدراما إلى أداة توثيق وتوعية وطنية تسهم فى تفكيك الرواية الإخوانية وتعزيز الوعى الجماعى بخطورتها.

وفى هذا السياق ينبغى تقديم الشكر إلى الشركة المتحدة والعاملين بها على هذا الموسم الرمضانى الدرامى المتميز، خاصة مسلسلى «صحاب الأرض» و»رأس الأفعى»، والدور المهم الذى يلعبانه فى حفظ وتوثيق الذاكرة الوطنية، وتكريس الوعى بمحددات الأمن القومى المصرى والعربى، وهو دور مهم وأساسى فى مواجهة الاستهدافات المتزايدة للرأى العام من جانب الجماعات المناوئة للدولة الوطنية، والكيانات الاستيطانية .

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية