تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
الفيل والبعوضة ومأزق البطة العرجاء
أكثر سؤال يتردد اليوم في أروقة مراكز الأبحاث وأوساط المحللين العسكريين هو كيف لأكبر قوة عسكرية في العالم، مدعومة بآلة الحرب الإسرائيلية، أن تعجز عن حسم نصر كامل ساحق على إيران حتى الآن؟..
إذا وضعنا القدرات الشاملة للطرفين في كفة الميزان العسكري.. التشبيه لو تخيلنا الصراع كأنه بين "الفيل والبعوضة". فالفوارق هائلة بين الطرفين..فى الأيام الأولى للحرب، كانت المشاهد مبهرة عسكرياً..غارات خاطفة، منشآت تمحى من الخريطة، واغتيال المرشد الأعلى وقطع رؤوس أكبر القادة وأدخنة مصافي النفط المحترقة تغطي المدن الإيرانية..
القيادة المركزية الأمريكية ذكرت أن قواتها نجحت في تدمير أكثر من 12 ألف هدف في أقل من 35 يوماً!!.. حصيلة الخسائر البشرية الإيرانية تصل إلى 4 آلاف قتيل و20 ألف جريح منذ بداية الحرب وحتى اليوم. على الورق، يبدو هذا "سحقاً عسكرياً" مكتملاً، لكن السؤال التالي الذي يلح إذا كانت هذه هي قوة أمريكا وإسرائيل، فلماذا لم تنتهِ الحرب بعد؟
هنا تظهر إيران..صحيح أنها تمثل دور "البعوضة" و لا تملك القدرة على قتل الفيل بمواجهة مباشرة، لكنها نجحت فى لدغه ومص "دمائه" وإزعاجه ومنعه من النوم. قد يحطم الفيل الغابة كلها لإسقاط البعوضة، لكنه في النهاية يُستنزف ويصاب بالإنهاك جراء لدغات متعددة في أماكن حساسة ومؤلمة مثل "مضيق هرمز"، ومثل إسقاط مقاتلة أمريكية "أف ـ15" وأخرى في المياه الإقليمية، ومثل ثقوب القبة "الإسفنجية" في سماء حليفتها إسرائيل وشعبها المحتل الذي نام ليالي عيد الفصح في الملاجئ المحصنة بسبب صفارات الإنذار التي لا تنقطع..
كل ذلك يشكل إحراجاً كبيراً لقوة الفيل..الواضح عسكرياً أن إيران لم تبنِ جيشها لخوض حرب تقليدية، بل صممته لتجعل الحرب مكلفة جداً على المهاجم، وهي تراهن على أن "نفسها الطويل" وصبر صانع السجاد الإيراني فى عقيدتها سيجعل فاتورة الحرب على العالم لا تطاق.
فى نفس الوقت الفيل الأمريكي لا يمتلك احتمال هذا الصبر.. الرئيس ترامب اليوم في صراع مرير مع "الزمن". فانتخابات التجديد النصفي المهمة جداً في مسيرة حكمه تقف على الأبواب، وهي الاختبار الأهم لأي رئيس أمريكي. إذا خسر الحزب الجمهوري ـ صاحب شعار "الفيل" - السيطرة على الكونجرس، سيتحول ترامب رسمياً إلى "بطة عرجاء" (Lame Duck) وهو مصطلح سياسي أمريكي يصف الرئيس الذي يفقد حزبه الأغلبية، فيقضي ما تبقى من ولايته عاجزاً بلا نفوذ سياسي حقيقى ، وتضعف قدرته على تمرير القوانين وتُقطع ميزانيات الحرب، وتُفتح التحقيقات حول "جدوى القصف" ومسائل أخرى كقضية "إبستين" مثلاً.
ترامب يعلم جيداً أن شعبيته تتآكل مع كل سنت زيادة في سعر الوقود.. الخبراء الأمريكيون يتوقعون "موجة زرقاء" لصالح الديمقراطيين إذا لم تنتهِ الحرب بنصر أمريكي يحقق لها مكاسب كبيرة..
ويضاف إلى هذا الضغط السياسي، ضغط من نوع آخر؛ فالعالم يتأهب لحدث رياضي كوني وهو كأس العالم، الذي تستضيفه الولايات المتحدة وكندا والمكسيك يونيو القادم. وكيف لدولة تستعد لاستقبال ملايين المشجعين أن تعيش حالة "حرب" ترفع أسعار الطيران الدولية وتكدر صفو الأمن العالمى؟
..حجوزات مقاعد مباريات المونديال و فنادقها تتطلب استقراراً، وترامب يريد الظهور كـ "صانع سلام منتصر" قبل انطلاق صافرة البداية، لا كقائد غارق في مضيق هرمز.
لذا، أتوقع أن يصدق ترامب في حديثه هذه المرة حين قال أن نهاية الحرب ستكون خلال شهر ابريل الجارى؛ فهو يسعى لإغلاق هذه الجولة لتستعد الولايات المتحدة لاستعادة الهدوء العالمى لاستقبال أكثر من مليون زائر من مختلف أنحاء الدنيا لحضور مباريات المونديال وحصد أرباح متوقعة ٣٠ مليار دولار..
وبالتأكيد سيخرج علينا ترامب بتصريح مكرر عن "الانتصار العظيم" . لكن هل يكف "البعوض" الأيراني عن الطنين؟ وهل تجعل الفيل وتابعه الخنزير ينامون بلا إزعاج دون دفع ثمن تدمير أعشاشها؟!
المؤكد أن هذه لن تكون النهاية، فالمؤشرات توحي بجولات أخرى أكثر شراسة قد تبدأ فور ظهور نتائج انتخابات نوفمبر الأمريكية، وطالما ظل ترامب وحزبه داخل دائرة الفعل السياسي.
الفيلسوف العسكري "كلاوزفيتز" له جملة شهيرة يقول فيها: «الحرب هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى»، وحين تغيب الرؤية السياسية، تصبح الصواريخ والقوة العسكرية عبئاً على مالكها.
التحدي الحقيقي أمام ترامب الآن ليس كيف يسقط النظام الإيراني، بل هو في "كيفية الخروج" دون ترك منطقة محترقة خلفه، ودون أن يدخل البيت الأبيض العام المقبل وهو يحمل بين يديه لقب "البطة العرجاء" التي حطم أجنحتها غباء القرار السياسي المندفع وراء حليف خبيث يدعى نتنياهو.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية