تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
مجلس النواب الجديد.. رهان الدولة وثقة المواطن!!
في لحظة فارقة من تاريخ الدولة، وبعد انتهاء ماراثون انتخابي طويل صاحبه جدل وخروقات استدعت تدخلًا من الرئيس السيسي لتصويب المسار، يفتح مجلس النواب الجديد أبوابه وسط حالة مركبة من الترقب والقلق والأمل. فالمكسب الحقيقي، بعيدًا عن حسابات الفوز والخسارة، يتمثل في تعزيز حضور المستقلين داخل المجلس، بما يحمله ذلك من فرصة لإعادة الاعتبار لفكرة التمثيل الحقيقي، ولإحياء دور البرلمان بوصفه صوت الناس والمعبر عن طموحاتهم ومطالبهم.
أداء مجلس النواب المنتهية ولايته لم يكن محل إجماع شعبي ولا حتى نخبوي بل كان أداؤه مختلطًا بين إنجازات ملموسة في إصدار القوانين واستخدام أدوات الرقابة، وبين نقد شعبي ونخبوي لأسباب تتعلق بالتمثيل الفاعل، والعمق الرقابي، وإدارة الأولويات التشريعية، ما يجعل تقييمه موضوعيًا مرهونًا برفع سقف التوقعات في البرلمان الجديد.
المواطن المصري لا ينتظر من برلمانه الجديد معجزات بقدر ما ينتظر صدقًا وشعورًا بالمسؤولية. البلاد تواجه تحديات اقتصادية ضاغطة، تتقاطع فيها آثار التضخم العالمي، وارتفاع كلفة المعيشة، وتراجع القوة الشرائية، مع أزمات هيكلية متراكمة. وفي الخلفية، مشهد جيوسياسي ملتهب يحيط بالمنطقة من كل اتجاه، حروب وصراعات وتهديدات للأمن القومي، تجعل من الاستقرار الداخلي مسألة وجود لا رفاهية سياسية. هنا، يصبح البرلمان القوي ضرورة وطنية، لا عبئًا على الدولة، لأن غياب الرقابة والمساءلة لا يحمي الحكومات بل يضعفها على المدى الطويل.
ما ينتظره المواطن من مجلسه الجديد أن يمارس دوره الدستوري الكامل؛ تشريع رشيد، ورقابة جادة، ومحاسبة شفافة. الرقابة ليست خصومة مع الحكومة، بل شراكة قائمة على السؤال والمراجعة والتصحيح. المواطن يريد أن يرى نوابه يستخدمون أدواتهم الدستورية—طلبات إحاطة، مناقشات عامة، استجوابات قوية—لا بوصفها لافتات إعلامية، بل آليات حقيقية تعكس نبض الشارع وتدافع عن مصالحه. فالمصريون، رغم ما يُقال عن نسب الأمية، يتمتعون بوعي فطري وذكاء اجتماعي يجعلهم قادرين على التمييز بين من يعمل للصالح العام ومن يسعى فقط إلى الحصانة ومغانمها.
اقتصاديًا، يتطلع المواطن إلى برلمان يشارك بجدية في صياغة رؤية طويلة المدى، لا يكتفي بإدارة الأزمات اليومية. تشريعات عادلة، ونقاش حقيقي لأولويات الإنفاق العام، وحماية للفئات الأكثر تضررًا، ودعم للإنتاج المحلي بدلًا من الاستهلاك، كلها مطالب لم تعد قابلة للتأجيل. فالأزمة الاقتصادية لا تُدار بالطمأنة وحدها، بل بالشفافية، وبتحمل المسؤولية السياسية عن القرارات الصعبة، وبإشراك ممثلي الشعب في مناقشتها لا الاكتفاء بإبلاغهم بنتائجها.
وفي ملفات التعليم والصحة، يزداد الرهان الشعبي على دور البرلمان. فالتعليم هو معركة الوعي الأولى، والمواطن ينتظر تشريعات تحقق مزيدًا من التطور والاستقرار وتخفيف الأعباء عن المواطنين، تطور يعيد للمدرسة دورها التربوي قبل التعليمي ويجفف منابع الدروس الخصوصية التي تثقل كاهل أولياء الأمور منذ سنين، تطور يربط المناهج بسوق العمل، ويعيد للمعلم مكانته، ويقلص الفجوة الطبقية في فرص التعلم وينتهي كما في كل الدنيا بنظام تعليم موحد وليس كما قائم تعليم حكومي وتجريبي ولغات ودولي وخاص وغيرها من التسميات.
أما الصحة، فلا تزال موضع أمل أن تنتهي الدولة من تنفيذ منظومة التأمين الصحي الشامل ليصبح هناك معيار واحد للخدمات الطبية، وأن يكون العلاج والكشف والتحاليل والعمليات الجراحية في متناول الجميع بصرف النظر عن قدراته المادية، وهذا اختبار إنساني للدولة؛ إذ لا معنى للحديث عن التنمية بينما يتحول المرض إلى عبء وجودي على الفقراء. المواطن يريد رقابة حقيقية على منظومة التأمين الصحي، وتسعير الدواء، وتوزيع الخدمة، حتى لا يصبح الحق في العلاج امتيازًا لا حقًا.
ولا يقل ملف التوظيف والأمن الغذائي إلحاحًا، في ظل عالم مضطرب جعل من العمل والخبز قضيتين سياديتين. ينتظر المواطن سياسات تشغيل حقيقية تفتح أبواب الأمل أمام الشباب، وتدعم الصناعة والزراعة والمشروعات الصغيرة، بحلول مستدامة. كما ينتظر المواطن من برلمانه الجديد تشريعات تحمي الأمن الغذائي عبر دعم الفلاح، وتأمين السلع الاستراتيجية، وضبط الأسواق، ومواجهة الاحتكار، لأن استقرار الأسعار لم يعد شأنًا اقتصاديًا فحسب، بل عاملًا أساسيًا في السلم الاجتماعي.
وعند مقارنة هذا الدور المنشود بما تقوم به برلمانات الدول العريقة ديمقراطيًا، تتضح الفجوة لا بوصفها قدرًا محتومًا بل مسارًا يمكن الاقتراب منه. في تلك الدول، البرلمان ليس خصمًا دائمًا للحكومة ولا تابعًا لها، بل سلطة مستقلة تراقب وتشرّع وتراجع، وتُسقط حكومات إذا أخفقت، أو تُحصّنها إذا أحسنت الأداء وحققت الرضا الشعبي؛ الجلسات مفتوحة للنقاش الحقيقي، واللجان البرلمانية مراكز خبرة ودراسات معمقة بضمير وطني، والنائب يُحاسَب انتخابيًا وإعلاميًا على كل موقف يتخذه. هذه التجربة لا تُنقل حرفيًا، لكنها تقدم درسًا واضحًا: قوة الدولة تبدأ من قوة مؤسساتها، وعلى رأسها البرلمان.
البرلمان الجديد أمام لحظة اختبار تاريخية: إما أن يكون اسمًا على مسمى، يطبق الدستور، ويراقب الحكومة، ويشرّع لصالح المواطن والوطن، أو أن يتحول إلى فرصة مهدرة في زمن لا يحتمل الهدر. المواطن لا ينتظر خطابًا إنشائيًا، بل أداءً جادًا يخفف أعباءه، ويحمي مستقبله، ويمنحه شعورًا بأن صوته لم يذهب سدى. ومن دون برلمان قوي، لن تكون هناك حياة سياسية قوية، ولا قدرة حقيقية على عبور هذه المرحلة المضطربة إقليميا ودوليًّا إلى برّ الأمان.
نرجو للبرلمان في دور الانعقاد الجديد أن يحقق آمال المواطن، وأن يرعي مصالح البلاد بضمير وطني وإنساني يشيع الطمأنينة ويعزز الثقة في التجربة النيابية.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية