تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

في مواجهة التحديات..!!


لم تكد تمضى أيامٌ من شهر رمضان حتى اندلعت حربٌ غاشمة استهدفت دولة إيران أدخلت العالم في دوامة اضطرابات متلاحقة؛ على إيقاع توترات جيوسياسية تهدد طرق التجارة وسلاسل الإمداد، وتتسبب في ارتفاعات متتابعة لأسعار النفط والطاقة والشحن، وهي متغيرات لا تبقى حبيسة حدود الصراع، بل تمتد آثارها سريعًا إلى اقتصادات الدول وأسعار الغذاء وحياة المواطنين اليومية. ومصر، كغيرها من الدول المنخرطة في الاقتصاد العالمي، تتأثر حتمًا بهذه التحولات التي تضغط على تكلفة الاستيراد وتدفق السلع، خصوصًا الغذائية، في وقت يتزامن مع زيادة موسمية في الطلب خلال شهر رمضان.
وفي خضم هذه التحديات، يفرض الشهر الكريم سؤالًا يتجاوز الوعظ التقليدي: كيف نحول رمضان من موسم استهلاك ضاغط إلى فرصة وطنية للتماسك الاقتصادي والاجتماعي وترشيد الاستهلاك وخصوصًا من القادرين والموسرين الذين ينفقون ببذخ وإسراف؟
القرآن الكريم نفسه يضع فلسفة الصيام في إطارها الصحيح حين يقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾،
التقوى هنا ليست شعورًا روحانيًا مجردًا، بل حالة من الانضباط تضبط السلوك والإنفاق والعمل والعلاقات الإنسانية معًا، وليس كما نرى في شوارعنا وأماكن العمل: انفلاتًا وتراخيّا وكسلاً وتواكلًا وإسرافًا ...!!
ومن هذا المنطلق، تبدأ المسئولية — في أوقات الأزمات — من الحكومة قبل المواطن. فالحكومة التي تدعو إلى الترشيد مطالبة أولًا بأن تكون قدوة فيه، لأن القرآن يقرر مبدأ المسئولية الأخلاقية بقوله تعالى:
﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
إن المرحلة الراهنة تفرض على الدولة تعظيم كفاءة الإنفاق العام، وتوجيه الموارد نحو الإنتاج الحقيقي، لا الاستهلاك غير الضروري، والعمل الجاد على تقليل الاعتماد على الخارج في السلع الاستراتيجية. فكل أزمة عالمية تعني خروج مزيد من الأموال لشراء الطاقة والغذاء والخدمات، ولا سبيل لمواجهة ذلك إلا بما أشار إليه القرآن من قيمة العمل والإعمار:
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، أي طلب منكم عمارتها بالإنتاج والبناء.
ومن هنا يصبح مضاعفة الإنتاج المحلي وتجويده ضرورة وجودية؛ دعم الصناعة الوطنية، وتطوير الزراعة، وتمكين المنتج المصري من المنافسة الحقيقية، لأن الاكتفاء النسبي لم يعد خيارًا اقتصاديًا بل صمام أمان اجتماعي في عالم شديد التقلب.
غير أن الإنتاج لا ينمو إلا بعقل متعلم، وهنا تتقدم القضية الأهم: التعليم… ثم التعليم… ثم التعليم. فالاستثمار في الإنسان هو الطريق الأقصر لتعويض ما تفقده الدول من موارد، وهو المعنى الذي يؤكده قول الله تعالى:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
فالأمم التي تمتلك المعرفة تستطيع تحويل الأزمات إلى فرص، بينما تبقى غيرها رهينة التقلبات الخارجية، وانظروا إلى ما يجري في حروب اليوم، ليتأكد لنا أن من يملك التقدم العلمي والتكنولوجي هو صاحب الكلمة العليا في ميدان المعركة..!!  
ولاشك أنه عندما يرى المواطن دولة تجتهد في الإنتاج، وتضبط إنفاقها، وتستثمر في تعليم أبنائها، يصبح الترشيد المجتمعي استجابة واعية لا تضحية قسرية.

عندها يأتي دور المواطن، مستلهمًا جوهر الصيام الذي لا يراد به الجوع والعطش، كما جاء في المعنى النبوي الشريف، وإنما تهذيب السلوك وإعادة ترتيب الأولويات. فالإفراط في الاستهلاك يناقض صريح التوجيه القرآني:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
وفي ظرف اقتصادي حساس، يصبح الاعتدال في الشراء وتقليل الهدر الغذائي ودعم المنتج المحلي لونًا من ألوان العبادة المجتمعية، لأن تقليل الطلب غير الضروري يسهم في استقرار الأسعار وتخفيف الضغط على موارد الدولة. كما أن الصيام الحقيقي يقتضي الانضباط في العمل، فلا يجوز أن يتحول إلى مبرر للخمول، بينما يوجهنا القرآن إلى قيمة الإتقان بقوله تعالى:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾.
إن أخطر ما قد تواجهه المجتمعات في أوقات الأزمات ليس ارتفاع الأسعار وحده، بل فقدان روح التكافل. بينما يجعل القرآن من رمضان موسمًا لإحياء الرحمة الاجتماعية:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾،
حيث يتحول فائض الإنفاق من موائد مترفة إلى عون للفقراء والمحتاجين، فيتحقق التوازن الاجتماعي الذي يحمي المجتمع من الاحتقان.

لقد أراد الله لرمضان أن يكون مدرسة لإصلاح النفس والمجتمع معًا؛ شهرًا نتعلم فيه الصبر والعمل والاقتصاد في الاستهلاك، لا موسمًا للإسراف والسهر والكسل. وإذا أحسنت الدولة القيادة بالقدوة، وأحسن المواطن الاستجابة بالوعي، تحولت الأزمة العالمية إلى فرصة لإعادة بناء اقتصاد أكثر صلابة وإنسان أكثر اتزانًا وإنتاجًا ووعيًا بواجبات الوقت ومقتضياته.
ويبقى رمضان دعوة مفتوحة لمراجعة المسار، امتثالًا لقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.
فالتغيير الحقيقي يبدأ من النفس، ثم يمتد إلى الأسرة، ثم المجتمع، ثم الدولة بأكملها. وعندها فقط يصبح الصيام قوة بناء لا مجرد عبادة موسمية، ويغدو رمضان فرصة نجاة روحية واقتصادية في عالم يموج بالتحديات والمخاطر.
اللهم بلغنا رمضان بلوغ وعيٍ وإصلاح، لا مجرد بلوغ أيام وساعات تمضي كما يمضي غيرها من الدهور والأزمان دون استلهام روح الدين وتحويل النص إلى سلوك والإيمان إلى عمل وتقدم وتكافل وتراحم ومجتمع يبني ويستثمر في البشر قبل الحجر !!

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية