تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > علي هاشم > سمير رجب.. صوت الصحافة الذي لا يُنسى!!

سمير رجب.. صوت الصحافة الذي لا يُنسى!!

في زمنٍ كانت فيه الكلمة تزن بقدرها، والصحافة تُحرك الساكن في دهاليز القرار، بزغ نجم الكاتب الصحفي الكبير سمير رجب، ليصبح أحد أبرز الأصوات التي شكّلت وجدان الصحافة المصرية، وأحد الأعمدة التي قامت عليها دار التحرير للطبع والنشر ومؤسسة الجمهورية على وجه الخصوص.
من مآثر هذا الرجل أنه لم يكن صحفيًا عابرًا في المشهد، بل مدرسة قائمة بذاتها. كان له فضل كبير عليّ شخصيًا؛ فقد أتاح لي بذكائه وصلاته الواسعة أن ألتقي جميع رؤساء وزراء مصر في ذلك الحين، وأتحاور معهم عن قرب. لم يكن ذلك أمرًا هينًا لشاب في مقتبل الطريق، لكنّ الثقة التي منحني إياها سمير رجب، وقوة حضوره بين كبار المسئولين، جعلت الأبواب تُفتح أمامي كما لو أن الصحافة نفسها كانت تطرقها.
عرفتُ من خلاله معنى الصحفي الحقيقي؛ ذاك الذي لا يكتفي بنقل الحدث، بل يصنع الحدث أحيانًا، ويوجّه الرأي العام دون أن يفقد اتزانه أو موضوعيته. كان سمير رجب صديقًا لعدد من كبار رجال الدولة، ومنهم المهندس سليمان متولي، وزير النقل الأشهر في تاريخ مصر، الذي جمعته به صداقة وثيقة امتدت إلى علاقة إنسانية ومهنية راقية كما جمعتني به علاقة دافئة.
كانت كتابات.سمير رجب ، وبخاصة "الكبسولات" التي كان ينشرها في الجمهورية الأسبوعي، أشبه بومضات فكرية مكثفة؛ لا تخلو من النقد، ولا تبتعد عن الحكمة. كان ينتظرها الجميع — وزراء ومسئولون وقُرّاء — لأنها كانت تُعبّر بصدق عن نبض الشارع وتُضيء عتمة القرار. يومها كانت الكلمة تُحسب حسابها، والجريدة تُقرأ من الغلاف إلى الغلاف. أما اليوم، فقد فقدت الصحافة الكثير من بريقها وتأثيرها، وتراجعت مكانة الكلمة أمام صخب العشوائية الرقمية.
لقد كان سمير رجب شخصية استثنائية بكل المقاييس؛ قوي الحضور، صلب الموقف، واسع الأفق. لم يكن يُبخل بخبرته على أبناء المؤسسة، بل كان أبًا حقيقيًا لصحفيي دار التحرير، يُعلّمهم أن الصحفي لا يتودد للمسئول، بل يقف أمامه بندّية واحترام متبادل.
ويكفيه فخرًا أنه أنشأ ذلك الصرح الصحفي الفريد على هيئة كتاب مفتوح، حتى وصفه أنيس منصور قائلًا: "لم نكن نتصور أن نرى مبنى لمؤسسة صحفية بهذه الروعة." كان المبنى، بفكرته وجمال تصميمه، مرآة لذكاء مؤسسه وبعد نظره، وهو ما تراجع اليوم لضعف الصيانة وشح الموارد.
وما لا أنساه أبدا مغامرته المحسوبة حين انتقل من الجمهورية التي كان مديرا لتحرير عددها الاسبوعي إلى رئاسة تحرير جريدة المساء، رغم محدودية توزيعها وقد استشارني وقتها قبل الإقدام على تلك الخطوة فنصحته البعد عنها، لكنه قبل التحدي وأثبت أن الرؤية تصنع المعجزة. استحدث أبوابا صحفية رفعت المساء لسماء الصحافة وجعل صحفيي المساء على قدم المساواة مع كل صحفي الصحف القومية، كما استحدث صحافة المتابعات والمواطن، وجعل القارئ نجم الصفحة الأولى ومحور الاهتمام ومن تلك الأبواب المستحدثة "إفطار صائم كل يوم " في رمضان،
فارتفع توزيع الجريدة بسرعة لتصبح أشهر الصحف المسائية في الشرق الأوسط، وارتبط اسمها باسمه إلى الأبد.
ولا ننسى أن المساء كانت ملهمة للمؤسسات الصحفية القومية التي حاولت استحداث صحافة مسائية لكنها لم تلق نفس الصدى ولم تحدث نفس التأثير الذي تفردت به المساء في عالم الصحافة المسائية.
إن الحديث عن سمير رجب ليس مجرد استعادة لذكرى رجل ترك أثره، بل هو استدعاء لمرحلة كانت فيها الصحافة المصرية صاحبة القرار، وموجهة للرأي العام، وشريكة في صناعة الوعي. فقد كان رجلًا يرى أبعد مما يراه الآخرون، ويدرك أن الصحافة ليست حرفة فحسب، بل رسالة ومسؤولية وطنية.
جدير بالذكر أن سمير رجب ترأس مجلس إدارة مؤسسة دار التحرير للطبع والنشر (الجمهورية) كما ترأس تحرير جريدة المساء ثم جريدة الجمهورية وجريدة مايو الناطقة باسم الحزب الوطني ورئيس تحرير " جريدة ٢٤ ساعة"؛ وهي تجربة صحفية خاصة متميزة حقققت نجاحا كبيرا .
ومع كل هذا الإرث المهني والإنساني، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:* هل يمكن للصحافة اليوم أن تُنجب قامة بحجم سمير رجب، وقبله عمالقة كبار امثال هيكل ومصطفي وعلي أمين وأنيس منصور وموسي صبري والحمامصي ومحسن محمد وإبراهيم سعدة
ومكرم محمد أحمد وابراهيم نافع وصلاح منتصر وكامل زهيري وغيرهم وغيرهم؟* هل يمكن أن تستعيد زمام المبادرة لتكون مسموعة الكلمة لدى القارئ والمسئول معًا؟* أم أصبح ذلك حلمًا من خيالٍ مضى، وتحوّل إلى هوى في ذاكرة المهنة؟

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية