تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > علي السيد > ماذا تريد إيران من العرب؟

ماذا تريد إيران من العرب؟

إذا رنَّ صوتُ المدافع يخفتُ صوتُ العقل، ويصبح الغضب قنابلَ متفجرة. هذه الحرب اجتمعت لها كل مبررات الانفلات الذى يفضى إلى انزلاقات قاسية، ويدخل أطرافاً لا صلة لها بالنيران. هذه حربٌ تغفل المواقيت، ولا تلتفت للخسائر. حربٌ فيها من جنون العظمة وتناقض الأيديولوجيا ما يجعل شظاياها تصيب القريب والبعيد. حربٌ لم يكن لصُنّاعها حسابٌ للنهاية، ولا اهتمامٌ بالعواقب على العالم الذى بات يدفع أثمانها دون أن ينخرط فيها.

 

الحرب الإسرائيلية - الأمريكية على إيران طالت الدول العربية التى حاولت منع اشتعالها، كونها كانت تدرك مخاطرها وتوسعها. أرادت الدول المتحاربة جرَّ العرب إلى أتون معركة لا يريدونها. ورغم أن الاعتداءات الإيرانية ذهبت بعيدا حيث منشآت عربية مدنية، فإن بلدان الخليج اعتمدت استراتيجية الدفاع عن أمنها بمهارة بدت أقوى من إسرائيل فى التصدى للصواريخ والمسيّرات. وهذا على الرغم من أن أمريكا دعمت إسرائيل بكل وسائل الدفاع، وقيل إنها نقلت إليها بعض منظومات الدفاع من قواعدها.

لكن الدول العربية الأكثر قربا من مصادر الإطلاق فى إيران كانت يقظةً أكثر بما يحفظ أمنها، خصوصاً أن 65 بالمائة من الاستهدافات الإيرانية كانت موجهة لأهداف غير عسكرية. فماذا ستكثف إيران من ذلك سوى مزيد من العداوة مع العرب، وقطع الطريق على إيجاد حلول دبلوماسية.

اقتضت الفطنة ألا تنزلق دول الخليج العربى إلى شرك الرد على الاعتداءات الإيرانية كما كان يُراد. ففى مخطط الحرب أن تشتبك دول الخليج لتصبح حربا إسلامية طائفية، أو قومية عربية فارسية، تعيد المنطقة كلها إلى الوراء سنوات. كان فى الخليج العربى من أدرك تفاصيل وأبعاد محاولة التوريط حتى قبل اندلاع الحرب. وكانت المملكة العربية السعودية، وهى الأقوى فى الخليج وتملك القدرة على الردع والرد، على دراية تامة بما تخفيه هذه الحرب. وهذا ما تبين من حوار الأمير تركى الفيصل مع قناة سى إن إن، حين كشف أن ما يجرى كان متوقعا.

السعودية، بما لها من مكانة كبيرة فى العالم الإسلامى وحضور قوى على الساحة الدولية، انحازت لإظهار قوتها فى الدفاع المحكم عن أراضيها، وحذت بقية الدول حذوها. ورغم ضبط النفس عن الرد والاكتفاء بدفاع يمنع الأضرار، فإن إيران استمرت فى نهجها . وكلما هددت أمريكا وإسرائيل بضرب البنية التحتية الإيرانية، ترد إيران بتهديدات لضرب البنية التحتية فى دول الخليج العربي. وكأن إيران ارتأت أن تضرَّ بمن لم يعادها، وتساوى بينه وبين من آلمها.

وبهذه الاستهدافات أثبتت إيران أن كل المخاوف والشكوك العربية، طيلة 47 عاما، كانت صحيحة. فإيران التى أضرَّت بالخليج العربى لن يكون بمقدورها خلق بيئة للتعايش مع محيطها العربى حين تتوقف هذه الحرب.

وربما يبدو للبعض أن إيران كانت مضطرة لضرب القواعد الأمريكية، أو لإرباك الاقتصاد العالمى بتعطيل حركة الملاحة الدولية فى مضيق هرمز، حتى تتمكن من الضغط لإيقاف الحرب. لكن الحقيقة الجلية أن إيران خلقت حالة عداء واسعة فى البلاد العربية، كونها استهدفت ما يرتبط مباشرة بأمن وحياة الناس.

ففى الكويت، على سبيل المثال، أُصيب مبنى للشئون الاجتماعية. وفى دبى استُهدفت موانئ ومطارات وفنادق. وحاولت ذلك أيضاً فى بلاد الحرمين الشريفين، لكن الدفاعات السعودية تمكنت من درء أى خطر. وطالت الاعتداءات أيضا موانئ سلطنة عُمان، الوسيط الذى حاول إعلاء الدبلوماسية والحوار وتجنب الحرب.. وإذا كان البعض يعتقد أن إسرائيل وأمريكا سعتا لجر الدول العربية إلى أتون معركة لا معالم لنهايتها، فلماذا ذهبت إيران فى الاتجاه ذاته باستهداف بنية تحتية ومواقع مدنية؟ ألا يُفسَّر ذلك على أنه محاولة استفزازية تدفع الدول العربية للرد والدخول فى هذه الحرب؟ وإلا فما الهدف من ذلك؟

ستخرج إيران من هذه الحرب بإشكالية جديدة تتمثل فى عزلة تامة مع الدول العربية، أو على الأقل ارتفاع منسوب الحذر فى التعامل معها.

لم تستطع إيران طيلة 47 عاماً أن تخلق مع جيرانها العرب ثقةً أو حسن جوار، إذ ظلت فكرة تمدد الثورة حاضرة على الدوام. فقبل أن تثبت الثورة الإيرانية أركانها بدأت حربا واسعة مع العراق. وبعد انتهاء الحرب كان على إيران أن تبدأ صفحة جديدة تكسب من خلالها ثقة العرب وتثبيت دعائم التعايش، لكنها بدلاً من ذلك اتجهت إلى تدعيم الجماعات المناوئة للدولة الوطنية، وخلقت قوى موالية لها أكثر بكثير من ولائها لأوطانها العربية.

وحين سقط نظام صدام حسين كان أمام إيران فرصة ذهبية لإثبات حسن النوايا. لكن ماذا فعلت بالعراق عندما سقط تحت الاحتلال الأمريكى الذى مهد لها الأرض؟ ألم تكن روح الانتقام هى المسيطرة؟ ألم تتحكم فى معظم مفاصل السلطة الجديدة؟ ألم تكن فرق «الموت المتغلغلة» تأتمر بأوامر طهران؟

ألم يكن رجالها فى العراق وراء قرارات بول بريمر التى مزقت العراق، من المحاصصة الطائفية التى أشعلت نيراناً لا تنطفئ، إلى حل جيش العراق الذى تجاسر وحارب إيران، إلى قانون اجتثاث البعث الذى تحول إلى سيف مسلط على رقاب كثير من سُنّة العراق؟

فقبل دخول إيران إلى العراق عبر الجسر الأمريكى لم تكن للطائفية هذا الحضور، ولم يكن المجتمع مقسما بهذه الطريقة التى تخلق حالة من التوتر والنزاع والتجاذب الدائم.

من الذى جعل العراق يدفع أثمانا باهظة منذ عام 2003؟ وكذلك اليمن وسوريا ولبنان؟ أليست إيران من فعل ذلك بسياسات توسعية أعلن عنها مسئولون كُثر؟ وإذا كنت ترفع راية الحق الفلسطينى فى مواجهة التوحش الصهيونى، فينبغى أيضاً أن تكون ضد أى اعتداء على دولة عربية. وإلا لكان منطق صدام حسين صحيحا حين احتل الكويت وادعى أنه يحرر فلسطين.

فهل تنتصر إيران على إسرائيل وأمريكا حين تدمر منشآت مدنية فى الأقطار العربية؟ وهل يتحقق لها الاستقرار حين تأخذ مقدرات المنطقة رهينة؟ هذا ليس منطق دول، بل منطق عصابات أو ميليشيات.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية