تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
إيران والعرب
تغضب إيران كثيرًا من أى جهة علمية أو إعلامية تُسمى الخليج «الخليج العربى»، وخاضت لذلك معارك شرسة فى المحافل الدولية من أجل أن يُسمى «الخليج الفارسى». هذه القضية تعبّر فى أحد جوانبها عن إعلاء إيران للقومية، حتى لو تصادم ذلك مع الدين أو المذهب. لذا ليس غريبًا أن يكون همُّها الأول استعادة أمجاد غابرة ونفوذٍ وَلّى.
فى ذلك لا يختلف الشاه عن الخمينى؛ فحين كان الشاه يتفاوض مع الأمريكيين على المشروع النووى طالبهم بأن يعاملوا بلاده على أنها دولة من الدرجة الأولى لا الثانية. كذلك رأت قيادات الثورة أن مبادئهم أممية قابلة للتصدير تحت لافتة «نصرة المستضعفين فى الأرض». وعلى هذا الأساس لا يمكن اعتبار الأيديولوجيا الدينية أو المذهبية هى الحاكمة فى النهج الإيرانى، فهناك مزيج من أفكار الإسلام السياسى الإخوانى والإسلام السياسى الشيعى، بل هناك أفكار مقتبسة من الماركسية، لكن يعلو كل ذلك الفكر القومى حتى وإن لم يتصدر. هذا ما جعل البعض يرى فى النهج الإيرانى تناقضًا وعدم واقعية.
يتضح التناقض بصورة جلية أمام تعامل إيران مع جيرانها فى وسط آسيا وجيرانها العرب. مع جيرانها الحدوديين تظهر البراجماتية والمصالح والتعاون فى أعلى صورها، بينما نجد صيغة أخرى للتعامل مع العرب تقوم على حماية الشيعة والدفاع عن قضايا المسلمين. وعلى المستوى الدولى تقدم نفسها على أنها تقاوم الإمبريالية، لذلك وجدت حضورًا قويًا فى أمريكا اللاتينية.
تولى إيران أولوية قصوى للتمدد والتوسع فى الشرق الأوسط، من الخليج العربى إلى الشام ومصر، بينما لا تفعل ذلك مع جيران الجغرافيا اللصيقة. فعلاقات إيران مع الجمهوريات السوفيتية السابقة تمثل ركيزة تعاون بين طهران وهذه البلدان، لكن يحدث العكس تمامًا فى التعامل مع العرب. فبلدان آسيا الوسطى والقوقاز تعتبر مناطق نفوذ مباشر لروسيا والصين، وأى تمدد فيها سيُواجَه برد حاسم.
تنتهج إيران سياسة نفعية واضحة فى التعامل مع هذه البلدان، إذ لا نجد أى ملمح للأيديولوجيا الدينية فى تعاملها؛ ففى صراع أرمينيا وأذربيجان وقفت إلى جوار أرمينيا ذات الأغلبية المسيحية، وأمدّتها بالسلاح ضد أذربيجان ذات الأغلبية الشيعية. وتعاونت أيضًا مع روسيا ضد الجماعات الإسلامية فى طاجيكستان.
فهل يتسق ذلك مع المادة الثالثة من الدستور، والتى تنص على مبادئ «الالتزام الأخوى تجاه جميع المسلمين»، وهو أحد نصوص تصدير الثورة؟ كما أن المادة 152 تنص صراحة على أن الدستور سارى المفعول خارج إيران، وأنها ملزمة بالدفاع عن حقوق جميع المسلمين.
وبالطبع لم تنجح هذه الأيديولوجيا المقدسة فى التعبير عن الوقائع؛ إذ كانت حربها مع العراق فى ثمانينيات القرن الماضى خير دليل، فهذه الحرب لم تكن لأسباب جغرافية بقدر ما كانت طريقًا للهيمنة على مقدسات تمنح إيران بعدًا أيديولوجيًا كمرجع وحيد للشيعة، ومن ثم يسهل التمدد.
إذن لماذا تضع جلّ همها فى التمدد فى المنطقة العربية؟ هذا سؤال يكشف عن جوهر الصراع بينها وبين إسرائيل: هل هو القضية الفلسطينية أم النفوذ والتمدد؟ لكل من إسرائيل وإيران مشروعات للتمدد وبسط النفوذ والسيطرة فى ذات المنطقة. تأخذ هذه المشروعات أشكالًا عديدة؛ بعضها باسم الدين، أو باسم إمبراطوريات قديمة سادت ثم بادت، وبعضها باسم خرافات حروب النهاية وظهور المخلّص لدى الطرفين.
لذا تحظى سياسة البلدين تجاه الإقليم العربى بأهمية بالغة فى العالم، وتكتسب كل منهما حضورهما الدولى بسبب ما يمارسانه من محاولات الهيمنة على تلك البقعة الجغرافية. ولكى تتمدد إيران لا بدّ لها من قضية، ولا توجد قضية يمكن الركوب على ظهرها مثل القضية الفلسطينية. ولكى يكون للأمر وقع شعبى لا بدّ من الولوج من الباب الدينى الذى يُلزم من يدخله الدفاع عن المقدسات، وبالتالى تكون إيران هى القوة الإسلامية المدافعة عن المقدسات، ومرشدها هو أمير المؤمنين.
لم تلتفت إيران إلى أن نهجها هذا يتصادم مع دول كبرى فى المنطقة ترفض منطق «ولاية الفقيه». لذا كان تركيزها فى التمدد على بلدان ذات وجود شيعى، سواء أغلبية أو أقلية، بحيث يكون الولاء للمرشد الإيرانى، ليس بوصفه الإمام فحسب، بل باعتباره الحاكم. وفى ذلك نجد أن حزب الله اللبنانى أحد أجنحة النظام الإيرانى، وإن كان موجودا على أرض عربية.
ويمتد الأمر إلى النظام السورى السابق، الذى رهن وجوده بطهران أكثر من دمشق، لذلك سحق الأكثرية لصالح الأقلية. وينسحب الأمر ذاته على الحوثى والحشد الشعبى، حيث الولاء والتبعية للمرشد، حتى وإن تصادم ذلك مع أمن الوطن. وعندما حدث تعاون بين إسرائيل وإيران، تعاونا ضد بلد عربي؛ إذ تحول «الكيان الصهيونى» إلى دولة تُعد أكبر مورد للسلاح والدواء والغذاء لإيران، ليس فقط فى فترة الحرب (1980–1988)، بل استمر هذا التعاون بعد ذلك بعلم المرشد خامنئى والرئيس رافسنجانى. ولولا شعور إسرائيل بخطر التمدد الإيرانى على حساب مشروع إسرائيل الكبرى ما حدث الصدام أبدًا.
نحن أمام صراع نفوذ يستخدم الأديان والمذاهب من أجل تطويع أرض ليست لأى طرف من المتصارعين؛ أرض يدفع ملاكها الأصليون الثمن كل يوم. أرض يرى كل طامع أو طامح أن تناقضات أهلها مغرية، وأن نزاعات شعوبها هدية، وأن خيراتها قابلة للنهب. سيظل هذا الصراع الإقليمى متجددًا ما لم ينتبه أصحاب الأرض.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية