تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

من السجن إلى المُلك

لم يمرّ ما حدث دون تبعات، بل كانت عواقبه وخيمة على سيدنا يوسف، ليواجه محنة جديدة، رغم أن الشواهد أكدت براءته.. يقول تعالى:﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾..

هكذا استقر رأى العزيز وأهله؛ فبعد أن تأكدوا من براءة يوسف، أجمعوا على إدخاله السجن إلى أجل غير معلوم، رغبةً فى إخماد حديث الناس، ورفع مقالة السوء عن امرأة العزيز، ومنع تكرار الفتنة لقد غلّبوا مصلحتهم ومكانتهم الاجتماعية على الحقيقة، رغم وضوح براءة يوسف.

ولعل ما انتهوا إليه كان موافقًا لما تمناه يوسف نفسه، إذ قال: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.. ورغم أن السجن محنة قاسية، فإنه كان أهون الضررين، فاختاره يوسف ورضى به بعد أن نجاه الله من فتنة عظيمة.

بل تحوّل السجن إلى فرصة جديدة أظهر فيها يوسف ما حباه الله به من علم وقدرة على تأويل الرؤى، وهو ما كان سببًا فى انتقاله لاحقًا إلى موقع القيادة والتمكين.. ولم يكن السجن مجرد مرحلة صبر، بل كان أيضًا ميدانًا لإثبات الحق وإظهار البراءة.

فعندما فسر يوسف رؤيا الملك، وأرسل الملك فى طلبه، لم يخرج مسرعًا إلى القصر، بل طلب أولًا كشف الحقيقة كاملة يقول تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِى بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾.. لقد أراد يوسف أن تخرج الحقيقة إلى العلن، وأن تثبت براءته أمام الجميع، لا أن يغادر السجن بقرار عفوٍ دون تبرئة واضحة.

وهنا اعترفت امرأة العزيز بالحقيقة، وأقرت بذنبها، معلنة براءة يوسف الكاملة.

عندئذٍ فقط وافق يوسف على تلبية دعوة الملك. فاستقبله الملك مكرمًا، وقال له: ﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾.. وكان رد يوسف عليه السلام طلبًا لتحمّل المسئولية: ﴿قَالَ اجْعَلْنِى عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.

وهكذا حظى يوسف بمكانة رفيعة أهلته لتولى مهمة عظيمة فى زمن صعب، إذ أصبح مسئولًا عن إدارة اقتصاد البلاد فى سنوات الجدب والقحط وقد أدار هذه المهمة بحكمة واقتدار، فأنقذ البلاد من المجاعة وأحسن التدبير فى سنوات الرخاء والشدة.. وهنا يتجلّى الوجه الآخر للابتلاء؛ فكما أن الشدة امتحان، فإن التمكين أيضًا اختبار. ومع العسر يأتى اليسر، ويجعل الله بعد الضيق فرجًا لعباده الصابرين.

وتختتم قصة يوسف بنعمة عظيمة، إذ جمع الله شمل أسرته بعد طول فراق، فاجتمع الأب والأبناء بعد سنوات من الألم والحنين. عندها توجه يوسف إلى ربه شاكرًا حامدًا، فقال:﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّى فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ﴾..

وهكذا كانت رحلة يوسف عليه السلام من الجب إلى السجن، ومن السجن إلى الملك، درسًا خالدًا فى الصبر والعفة والثقة بالله، وأن العاقبة دائمًا للمتقين.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية