تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
أم كلثوم
اختار الفريق المسئول عن فيلم «الست» لحظة سقوط أم كلثوم على أرض مسرح أوليمبيا بالعاصمة الفرنسية باريس لتكون المشهد الافتتاحى للفيلم، وبهذا الاختيار أعلنوا بوضوح أن الهدف هو إسقاط الاسطورة والرمز والهالة، أى أن الأمر ليس اختلافا فى الرؤية أو مجرد اجتهاد.
ولن نسألهم لماذا هذا الاستهداف، فهم لم يعاصروا هذه المغنية والمطربة العظيمة ولم يعيشوا عصرها، ولا أظن أن أسلوبها ومدرستها الغنائية قضية تستحق منهم العمل على هدمها.
وأعتقد أنهم فى معظمهم لم يقدروا الحماية الشعبية التى تمتعت وتتمتع بها حتى بعد رحيلها منذ أكثر من نصف قرن، وربما لو كان من بينهم من استعاد جنازتها المليونية والتى لم تشهد مصر مثيلا لها سوى جنازتى الزعيم سعد زغلول والرئيس جمال عبد الناصر، إن هذه الملايين التى خرجت لتوديعها الوداع الأخير لأدرك مكانتها الرفيعة فى قلوب أهل مصر، ولأدرك أيضا أن الاقتراب منها لن يكون أبدا موضع قبول إذا كان سلبيا، إن الجنازة كانت استفتاء شعبيا حول مكانتها، وعكست حجم الاحترام والتقدير لها والاعجاب بها.
وإذا كان الفريق لم يعاصرها وليس له مع فنها قضية، ولم يكن فى حياتها أو فى شخصيتها ما يستوجب الاختلاف لدرجة العمل للنيل منها، فلماذا إذن هذا الاستهداف؟
وهل هناك من دفعهم إلى ذلك، سواء من داخل مصر أو من خارجها؟
إن المطربة اللبنانية الرائعة فيروز صاحبة الصوت العذب احتلت قمة عالية فى عالم الغناء، وتجاوزت التسعين من العمر، ولم يحاول أى لبنانى الإساءة إليها بفيلم مثل فيلم الست أو بأى عمل آخر مشابه، هل المطلوب هو أم كلثوم لأنها مصرية؟
ولا شك أن هذا الفريق يعلم أن أم كلثوم سيدة عصامية، فهذه الفتاة الريفية ابنة أسرة متماسكة ومستورة، قد بنت نفسها وصعدت من مجرد صبية تغنى فى الأفراح والمناسبات إلى التربع على عرش الغناء فى مصر، وعلى طريق الصعود إلى القمة حفظت القرآن وأجادت اللغة العربية، وتعلمت اللغة الفرنسية، وقرأت ودرست دواوين شعر الكبار، وحفظت مئات القصائد والآلاف من أبيات الشعر حتى أصبحت ذواقة للمعانى والكلمات، وكثيرا ما توقفت أمام كلمات بعض الأغاني، وطالبت بل وشاركت فى تغييرها.
وطوال حياتها ظل الكتاب صديقها، وقد امتلكت قوة داخلية هائلة ساعدتها على صعود سلم التفوق والشهرة على الرغم من العقبات والصعاب والمعارك.
والأهم أنها ارتفعت بالأغنية جدا بين الأغانى التى كانت سائدة مثل «ارخى الستارة اللى فى ريحنا لاحسن جيرانا تجرحنا» و«بعد العشاء يحلى الهزار والفرفشة» و«تعالى يا شاطر نروح القناطر» إلى الغناء باللغة العربية الفصحى وغناء القصائد الشعرية والأغانى ذات الكلمات الجميلة المنتقاة، وقد أسهمت بذلك فى الارتقاء بالوعى العام وبمستوى تذوق الغناء بصفة خاصة، والذوق الفنى بصفة عامة، وحمد لها الناس رقى الكلمة واللحن والأداء.
وقد وجدت من يرعاها اقتناعا بصوتها النادر والقوى الجميل، ابتداء من الشيخ أبوالعلا محمد وزكريا أحمد.
وأهم من قال بندرة صوتها وقوته الدكتور يوسف شوقى فى الدراسة التى أعدها عن أصوات نجوم الطرب والغناء فى مصر.
ويحق لنا أن نتساءل، هل اختلف الفريق المسئول عن فيلم «الست» حول هذه الحقائق المتعلقة بمشوارها الفني؟ أو الحقائق المتعلقة بعصاميتها؟
لقد عرفت أم كلثوم فى بيت مصطفى أمين، واقتربت منها، ورأيت وتعرفت عن قريب على قوة شخصيتها وذكائها الحاد ولماحيتها وسرعة بديهيتها وانسانيتها ونقاء قلبها وخفة ظلها وإجادتها فن تقبل الآخر وسماحتها وجديتها وسحرها، بالإضافة إلى بروزها كمتحدثة شديدة اللباقة.
كما كان لها حضورها وسحرها الخاص، إن من حق هذا الفريق أن يختار من المواقف ما يشاء، كما أن من حقهم أن يسيروا على طريق يمكن ان يرسمه آخر أو آخرون لهم، ولكن لا يمكن لأى من أعضاء هذا الفريق أن ينكر عصاميتها، وتميز صوتها وأهليتها لاحتلال قمة سامقة من قمم الغناء فى العالم وليس فى مصر فقط.
أما ما توقفوا أمامه ونسجوا من حوله عملهم، فالحكم لملايين المواطنين، سواء الذين شاركوا فى جنازتها أو غيرهم من أجيال مازالت تحرص على سماع أغانيها، وترتفع برقم المبيعات منها إلى أرقام هائلة.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية