تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
الأموال الساخنة والجنيه المصرى
أثارت تحركات الأموال الساخنة فى الفترة الأخيرة العديد من التساؤلات خاصة فى ضوء التأثيرات المختلفة على الاقتصاد القومى عموما والجنيه المصرى على وجه الخصوص بعد أن خرج نحو 10 مليارات دولار من الأسواق فيما يعد أسرع معدل خروج فى تاريخ هذه الأموال، وهو ما طرح العديد من الأسئلة عن مدى القدرة فى السيطرة على تحركات هذه الأموال فهل تحتاج مصر الى وضع سقوف أو قيود تنظيمية على تدفقات المحافظ القصيرة الأجل كما فعلت بعض الدول مثل الأرجنتين وجنوب إفريقيا وشرق آسيا إبان الأزمة المالية عام 1997؟ وماهو الإطار الأمثل لإدارة تحركات هذه الأموال؟ هذه الأسئلة وغيرها كانت محور اللقاء المهم الذى نظمه معهد التخطيط القومى لمناقشة «دور الأموال الساخنة فى إنعاش الاقتصاد المصرى ومخاطرها»، وفى هذا السياق أوضحت ورقة العمل التى قدمتها د. فادية عبد السلام الأستاذ بالمعهد، ان هذه الأموال هى تدفقات مالية تبحث عن تحقيق عوائد سريعة عبر أدوات مالية ولاترتبط بالاستثمار فى أصول إنتاجية وتتسم بدرجة عالية من التقلب اذ تتأثر مباشرة بتغيرات أسعار الفائدة وأسعار الصرف وغالبا ما تكون قصيرة الأجل. واستعرضت تطور هذه الأموال منذ عام 2016 حيث جذبت أدوات الدين الحكومى (الأذون والسندات الحكومية) رءوس الأموال الباحثة عن عائد مرتفع ولكنها عرفت بتقلباتها وخروجها السريع عند أول بادرة للازمة فعلى سبيل المثال خرج ما يقرب من 15 مليار دولار عقب أزمة الأسواق الناشئة فى عام 2018 وكذلك انسحبت استثمارات بقيمة تقارب 20 مليار دولار فى عام 2020 أثناء جائحة كورونا كما خرج نحو 22 مليار دولار بفعل الحرب الروسية الأوكرانية. وقد خلفت هذه الانسحابات المفاجئة ضغوطا كبيرة على الاحتياطيات الدولية، أدت الى تراجع قيمة الجنيه المصرى وارتفاع التضخم. وهكذا فان الاستعانة بهذه الأموال رغم أهميته فى توفير سيولة دولارية، فى ضوء ما يعانيه الاقتصاد المصرى من فجوة تمويلية هيكلية ناتجة عن العجز المالى فى الموازنة العامة للدولة وكذلك الميزان التجارى مع ضعف الادخار المحلى وتواضع الاستثمار الأجنبى المباشر، وكلها أمور أدت الى الاعتماد على هذه الأموال لتمويل عجز الموازنة وتشير الإحصاءات إلى أن استثمارات الأجانب فى الأوراق المالية الحكومية قد تجاوز 65 مليار دولار.
وتشير ورقة العمل الى ان الاعتماد على هذه الأموال يفرض ضغوطا على استقرار العملة والاقتصاد الكلى فهى من ناحية أسهمت فى تعزيز الاحتياطيات من النقد الأجنبى وتحسين مؤشرات ميزان المدفوعات بشكل مؤقت لاسيما عقب إصلاحات نظام سعر الصرف التى عززت جاذبية الأصول المقومة بالجنيه امام المستثمرين الأجانب مما جعل سوق النقد الأجنبية اكثر حساسية للصدمات الخارجية سواء كانت مرتبطة بارتفاع أسعار الدولار عالميا او بتراجع شهية المخاطر لدى المستثمرين الأمر الذى يؤدى فى حالات خروج هذه الأموال بسرعة إلى ضغوط على سعر صرف الجنيه، وفى هذا الإطار تبرز مخاطر الاعتماد المفرط على هذه الأموال فى توجيه السياسة النقدية مثل رفع أسعار الفائدة والتى قد تستخدم كأداة لجذب هذه الأموال بدلا من تحقيق الاستقرار الاقتصادى طويل الأجل. كما ان ارتفاع حصص المستثمرين الأجانب فى أدوات الدين المحلى يجعل السياسة المالية أكثر ارتباطا مع قرارات المستثمرين غير المستقرة مما يفاقم مخاطر التقلبات الدولية.
وهكذا يتضح ان معالجة الخلل الهيكلى بأداة نقدية قصيرة الأجل يؤدى الى زيادة عبء الدين العام وارتفاع تكلفة الإنتاج وإبطاء الاستثمار الحقيقى وتكلفة خروج هذه الأموال وتقلبات سعر الصرف من هذا المنطلق أوصى الخبراء بضرورة تجنب كل هذه الآثار السلبية عن طريق سياسة اقتصادية ونقدية مختلفة تركز على إعادة ضبط السياسة النقدية بما يضمن التحول الكامل الى استهداف التضخم كأولوية مطلقة والتعويم المدار لسعر الصرف مع تدخل محدود لاحتواء التقلبات الحادة وهو ما يتطلب تعزيز استقلالية البنك المركزى وعلى الجانب الآخر يقترح إدارة ذكية للأموال الساخنة تتضمن فرض ضريبة تصاعدية على الأرباح الرأسمالية لهذه الاستثمارات التى تقل مدتها عن 12 شهرا وتطبيق متطلبات احتياطى غير مدفوع الفائدة.
العمل على تقليل الوزن النسبى للأموال الساخنة عن طريق إعادة هيكلة الدين وخفض نسبة الأذون القصيرة الأجل تدريجيا من 55% الى اقل من 35% خلال السنوات الثلاث القادمة وزيادة إصدار السندات الطويلة الاجل وتنويع قاعدة المستثمرين محليا. جنبا الى جنب مع العمل على توسيع الحيز المالى عن طريق زيادة الإيرادات بدلا من خفض الإنفاق الاجتماعى عن طريق توسيع قاعدة المجتمع الضريبى أفقيا وتفعيل الضرائب على الأرباح التجارية والمهن الحرة وإجراء التعديلات التشريعية اللازمة لأيلولة فوائض الهيئات الاقتصادية والكيانات العامة الى الخزانة العامة.
وتشير ورقة العمل إلى أن المشكلة ليست فى الأموال الساخنة بحد ذاتها بل فى تحولها الى دعامة تمويلية اجبارية لسد الخلل فى فجوة الموارد المحلية بين الادخار والاستثمار وان الاستقرار الحقيقى يتحقق عبر تعزيز الإنتاجية وتعميق القاعدة التصديرية بحيث تبقى الأموال الساخنة جسرا مؤقتا لا ركيزة تمويل أساسية اذ ان تعزيز الاستثمار الطويل الأجل والإصلاح الهيكلى هو السبيل لتقليل الاعتماد على الأموال الرأسمالية المتقلبة ومن منظور الاستدامة الطويلة الأجل يتعين استكمال الإصلاحات الهيكلية كضرورة إستراتيجية.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية