تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > عبد العظيم حماد > ما قدمه هيكل للصحافة المصرية والعربية

ما قدمه هيكل للصحافة المصرية والعربية

أكتب هذه السطور استجابة لطلب محبي الأستاذ محمد حسنين هيكل المزيد حول شخصه ودوره، وإجابة علي تساؤلات الآخرين حول الدور المهني الفارق للرجل ولأستاذيته الاستثنائية،

وأستهلّ حديثي بمشهد وشهادة ورواية، وأنتقل بعدها لتلخيص رؤيتي او شهادتي من واقع المعايشة للمهنة عموما، ولمؤسسة الأهرام خصوصا. جري المشهد في عزاء المرحوم الأستاذ أحمد عادل الرئيس العتيد الأسبق للقسم الخارجي في الأهرام،

فقد كنت جالسا في مواجهة الأستاذ، عندما دخل إلي القاعة المرحوم الكاتب الكبير محمد الحيوان، الذي ما إن لمح هيكل حتي غير اتجاهه، وجاء ليقف أمام الأستاذ ويؤدي له التحية علي غرار تحية الجندي للقائد، دون أدني مبالغة، رغم أن (الحيوان) كان خصما سياسيا عنيفا للتجربة الناصرية من أولها لآخرها، وفي تلك اللحظة تذكرت معني تعبير شيخ الصنعة، الذي يتعين إجلاله من كل من ينتمي اليها.

 

أما الشهادة فهي للمرحوم الأستاذ محمود عوض، وهي قول المرحوم مصطفي أمين له إنه حزين لفشله في تخريج كتاب ومعلقين سياسيين من تلاميذه سوي محمود عوض نفسه، وربما كان هذا التصريح من أسباب ماتعرض له عوض من تهميش، بل وإقصاء في أخبار اليوم.

 وأما الرواية فهي للمرحوم أستاذنا الكبير أحمد بهاء الدين، وهي أن عبدالناصر كان يشكو من أن أغلبية الكتاب السياسيين المصريين معنيون بالشأن المحلي فقط، وليسوا قادرين علي مخاطبة القارئ العربي والعالمي مثل نظرائهم في الصحافة العالمية، بل واللبنانية، ولذلك شجع علي استكتاب معلقين لبنانيين مثل نشأت التغلبي، وعميد الإمام، وغيرهما.

من هنا تظهر النقلة المهنية الكبري التي أحدثها هيكل في الصحافة المصرية والعربية، فإذا كان محمد التابعي هو من حقق استقلال الصحافة المصرية عن الأدب، وخلصها من النزعة الخطابية التعبوية، وإذا كان مصطفي أمين هو من ربط الصحافة بالمجتمع ورجل الشارع، او بالحياة اليومية الفوارة للمصريين (بتعبير هيكل الذي لم يبخس حتي خصومه قدرهم المهني)، فإن محمد حسنين هيكل هو الذي نقل الصحافة إلي عصر مابعد ظهور التليفزيون، أي صحافة الرأي والعمق والاستقصاء وراء الخبر، فاستحدث صفحة الرأي اليومية، وأسندها إلي مفكر كبير، ووضع معايير صارمةّ للنشر فيها، وهو نفسه كان يقول إن سبب نجاح مقاله الأسبوعي (بصراحة) أنه كان في حقيقته رأيا في إطار قصة إخبارية استقصائية، ولم يكن مجرد مقال بالمعني التقليدي للمقال الصحفي.

هذا النوع من الصحافة كان يفرض وجود الصحفي المتخصص، وليس الصحفي الذي يكتب في كل شيء من الفن، إلي القصص الغرامية، ومن الجريمة إلي أحوال الاقتصاد والثقافة والأدب، ثم السياسة الداخلية أو الخارجية الخ، فعرفنا معه المحرر أو المعلق الاقتصادي، الذي لا يكتب في غير تخصصه هذا، وكذلكً البرلماني، الدبلوماسي، والثقافي، الخ، وحين أستعمل تعبير المحرر فهذا للتمييز بين المحرر وبين المندوب الإخباري، أوال News Reporter، دون أن أقصد من قريب أو بعيد الغض من شأن زملائنا المندوبين الإخباريين، الذين لا غني عن دورهم المحوري بالطبع.

وبحكم التخصص فقد ألزم هيكل نفسه منذ تولي قيادة الأهرام بألا يكتب إلا في السياسة، بل ظل حريصا علي ألا يبقي منه في ذاكرة قرائه إلا كتاباته السياسيةّ، فمثلا رفض أن ننشر أنه هو صاحب السبق الصحفي في حادثة الصعيدي الذي اشتري الترام في بداية حياته المهنية، رغم أنها صارت وستبقي مضرب الأمثال.

كانت هذه النقلة النوعية هي السبب في نجاح الأهرام في تخريج عدد كبير جدا من الكتاب السياسيين وغير السياسيين، علي عكس حالة أخبار اليوم في رأي مؤسسها، كما سبق القول، فكان أن توالي تلاميذه علي قيادة أغلب المؤسسات الصحفية القومية والخاصة.

غير أن نقلات هيكل النوعية للصحافة المصرية لم تقتصر علي ماذكرناه، وهو كثير، فكانت النقلة التالية بالغة الأهمية هي التقريب بين الصحافة، وبين العمل والبحث الأكاديميين، وذلك علي غرار التطور العالمي الناجح في كل من الصحافة والأكاديميا، والمتمثل في ابتكار لغة ومنهج وسط بين الحقلين، حتي يتسني للصحف اطلاع قراءها علي جهود وأفكار الأكاديميين، ويتسني لهؤلاء الاطلال علي الرأي العام من خلال الصحف، وقد كان هو صاحب فكرة ومؤسس مجلة السياسة الدولية، الربع سنوية والمحكمة علميا، والتي سرعان ما تحولت إلي مرجع بحثي للطلاب والأساتذة في تخصصات السياسة والاقتصاد والتاريخ والدبلوماسية الخ، والتي كان النشر فيها من بين مسوغات الحصول علي الدرجات الجامعية، وهو أيضا صاحب فكرة ومؤسس مجلة الأهرام الاقتصادي النصف شهرية في بدايتها، وصاحب ومؤسس مجلة الطليعة الشهريةً الفكرية والبحثية ذات الاتجاه اليساري، بل إن أهم مساعديه في تحرير الأهرام كان أستاذا شهيرا للعلوم السياسية هو المرحوم الدكتور عبد الملك عودة، (وقد تصادف أنني يوم وفاة الدكتور عودة كنت علي موعد مبكر مع الأستاذ الذي قال عنه إنه كان دائما علي قدر الثقة به)، وبالطبع فتحت صفحات الأهرام لإسهامات كبار الأساتذة كل في مجاله، ثم كان انجازه الكبير التالي في سياق صحافة العمق والتحليل والانفتاح علي البحث الأكاديمي هو تأسيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الذي تنتشر كوادره الآن في كل مكان، وكل مجال، في مصر وخارجها.

أخيرا أود الإشارة إلي التزامه الصارم بالمنهج المؤسسي في الإدارة، وبتوفير كل التسهيلات للعمل الصحفي، والي حرصه الدائم علي السبق والتطوير التكنولوجي، ثم إلي استنساخ أهرام هيكل في عدة صحف عربية مشهورة أهمها القبس الكويتية والخليج الإماراتية، فضلا عن استلهام تجربته في معظم الصحف العربية، ولكن تبقي العبرة الكبري هي أن هيكل بدوره ومواهبه كان شريكا فاعلا بقوة في سياق مشروع شامل للتحرر الوطني والتنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية مصريا وعربيا وعالميا، وهو المشروع الذي تعثر في حياته، ويوشك بكل أسف أن يصبح مجرد ذكري من ماض بعيد!!.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية