تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
كيف صنعت أخطاء الديمقراطيين أسطورة ترامب؟
تفضل صديق كريم بإرسال تعليق الذكاء الاصطناعي علي مقال الأسبوع الماضي حول جذور الترامبية وجبهات الصراع داخل أمريكا، وكنا قد اختتمناه بالقول إن لحظة انتخاب باراك أوباما أول رئيس أسود للولايات المتحدة كانت هي لحظة «نكون أو لا نكون» لتيار الثورة المضادة (الرجعية العنصرية) الأمريكية، ثم أضفنا أن خطايا الديمقراطيين الاستراتيجية، وأخطاءهم التكتيكية مهدت الطريق لفوز دونالد ترامب عام 2016، ثم عام 2024، وهو ما سنفصله، بعد أن نستعرض ماقاله الذكاء الاصطناعي تعليقا علي المقال السابق.
يقول التعليق: «عندما جاء باراك أوباما بانتصاره التاريخي في عام 2008 لم يره الطرف الآخر كرئيس منتخب، بل كتهديد وجودي للهوية البيضاء الرأسمالية، أما ترامب نفسه فكان الثمرة المرة لعقود من التجييش العقائدي، والأخطاء الإستراتيجية للحزب الديمقراطي، أو هو المقذوف الرجعي في وجه كل ما بناه روزفلت، وأكده أوباما».
ننتقل الآن إلي الخطايا الاستراتيجية للحزب الديمقراطي، وقد تناولها كثيرون في سياقات مختلفة، فنعيد هنا التذكير بها، مع اجتهادات أخري من جانبنا، فمع تركيز فترة بيل كلينتون علي العولمة وتكنولوجيا المعلومات، التي حققت للبلاد طفرة في سوق العمالة غير التقليدية، وفوائض مالية كبيرة، أهملت الصناعات التقليدية، خاصة الهندسية والمعدنية، فيما يعرف بحزام الصدأ، أي الولايات التي تتركز فيها تلك الصناعات، فساءت أحوال الطبقة العمالية هناك، وشعروا بأن حزبهم قد خانهم، ومع تقدم ثورة تكنولوجيا المعلومات، والتي كانت سلاحا رئيسيا في حملة أوباما الانتخابية، وعبأت الأجيال الشابة حوله وقع نوع من الانفصال التكنوقراطي مع عموم الناخبين، أو بمعني آخر كانت النخبة الديمقراطية تتحدث لغة لايفهمها الشعب، في حين كان الشارع يبحث عن صوت يعبر عن غضبه الفطري، وكما يقول الذكاء الاصطناعي هنا بالتحديد فقد أصبح الناخب يشعر بأن الديمقراطيين يهتمون بتصحيح المصطلح وبالحقوق الفلسفية أكثر من اهتمامهم بسعر جالون البنزين، أو فقدان الوظيفة لصالح عامل صيني في بلده.
وبدلا من أن يحرص الديمقراطيون علي امتصاص غضب الرجعيين والعنصريين من صدمة فوز أوباما، فإنهم بالغوا في سياسات الهوية لاستبقاء تعبئة الأقليات، وفي دعم حق الإجهاض، وتخليق الأجنة البشرية، وحقوق المثليين الجنسيين. الخ، مما أشعر الرجل الأبيض التقليدي أنه مستهدف في ثقافته ومكانته.
هنا ننتقل إلي الأخطاء التكتيكية للديمقراطيين التي أضيفت إلي خطاياهم الاستراتيجية، فمهدت طريق ترامب إلي البيت الأبيض.
كان أول هذه الأخطاء هو ترشيح هيلاري كلينتون لخلافة أوباما، ويقال إن أوباما نفسه ضغط علي نائبه جوزيف بايدن كي يفسح المجال لهيلاري، استغلالا لحالة المد الليبرالي التي جاءت به كأول رئيس أسود، وذلك حتي تحظي الولايات المتحدة بأول امرأة تتولي الرئاسة، لتلحق بركب الدول التي سبقتها إلي هذا الشرف التقدمي، لكنه كان كثيرا علي الثقافة الذكورية للمجتمع الأبيض البروتستانتيّ الأمريكي المحافظ، أن ترأسه امرأة،خلفا لرئيس أسود، من أصول إسلامية!!.
وقد عاود الديمقراطيون الوقوع في خطأ الحسابات عندما ظنوا أن فوز مرشحهم جوزيف بايدن علي دونالد ترامب عام 2020 هو نهاية الظاهرة الترامبية، خاصة بعد كارثة تحريضه علي اقتحام الكونجرس لمنع إعلان فوز بايدن، وبعد ثبوت مطالباته لحكام ولايات جمهوريين بالتزوير في عملية فرز أصوات الانتخابات، ومن ثم فلم يستعدوا جيدا لانتخابات عام 2024، وبالتالي تساهلوا في إعادة ترشيح بايدن، رغم أنه كان قد طعن في العمر، مما أصابه بأعراض النسيان والتلعثم، وربما شيء من خرف الشيخوخة، وكما نذكر فإنه اضطرّ للانسحاب من الترشح متأخرا جدا، بعد كارثة إخفاقه أمام ترامب في أول مناظرة تليفزيونية، فلم يجد الديمقراطيون أمامهم من يمكنهم ترشيحه سوي نائبته كمالا هاريس، أي امرأة من جديد ، ولكنها هذه المرة ملونة أيضا، أي بعبارة أكثر دلالة فقد جمعت بين السوءتين في نظر المجتمع الذكوري الأمريكي (الأبيض الرجعي، بل والمحافظين عموما)، فكان ترامب هو الحل، وليكن مايكون.
لكن رغم ذلك كله يجب ألا ننسي دلالة خسارته أمام بايدن بعد فترته الرئاسية الأولي، هذه الدلالة هي أن التيار التقدمي الليبرالي الأمريكي لايزال قادرا علي لملمة شتاته، وتصحيح أخطائه، كما يجب ألا ننسي أن النظام السياسي الأمريكي مصمم لكي يمنع تركز مصادر وأدوات السلطة في مكان واحد، أو في شخص واحد، كما سبق التنويه في المقال الأول من هذه السلسلة، وأخيرا فلدينا عشرات الشواهد علي انفصال ترامب وفريقه عن النخبة السياسية والثقافية الأمريكية، واندماجهم الكامل مع الأوليجاركية المالية المكروهة والمستفزة، وكل هذا يرجح زوال الظاهرة الترامبية، ومن ثم هزيمة الثورة الأمريكية المضادة، وعودة التداول السياسي للتراوح حول الوسط، يسارا تارة، ويمينا أخري، وجمعا بينهما تارة ثالثة، وهو ما نتناوله في المقال التالي.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية