تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
كيف تهزم أمريكا نفسها فى الشرق الأوسط؟!
بسبب المفارقة المأساوية - أو الهزلية فى قول آخر - بين كثرة الكلام عن الانسحاب الأمريكى الواجب من الشرق الأوسط للتفرغ لمواجهة الصين، وبين ازدياد التورط فى المنطقة يوما وراء يوم، فإن كل المعنيين بمنطقتنا فى واشنطن يؤمنون بمقولة مفادها أنه إذا لم تذهب أمريكا إلى الشرق الأوسط فسيأتى الشرق الأوسط إليها،
وعلى الرغم من ثبوت صحة هذه المقولة المرة بعد المرة، فإن ترديدها فى أروقة العاصمة الأمريكية لا يخلو من نبرة سخرية واضحة من تخبط معظم الرؤساء فى التعامل مع إقليم (لا يحبونه ومع ذلك لا يطيقون الابتعاد عنه)!!.
كان الرئيس الأمريكى الأسبق باراك أوباما هو الأكثر وضوحا فى التعبير عن المصلحة الأمريكية فى الخروج المحسوب من الشرق الأوسط من أجل التركيز على منطقة الباسيفيك والمحيط الهندى، فى إشارة إلى الصراع المقبل مع الصين الصاعدة نحو القطبية العالمية بقوة، وجاء ذلك فى حديث اشتهر وقتها باسم مذهب أوباما إلى جيفرى جولدبيرج محرر مجلة ذى أتلانتيك، ومما يستحق العجب أن غالبية المهتمين فى أمريكا وفى الغرب عموما رحبوا بتلك الرؤية، ولكن سرعان ما تحطم مذهب أوباما على صخور الواقع فى المنطقة وفى واشنطن ذاتها.
تمثلت تلك الصخور من ناحية فيما صاحب الربيع العربى وأعقبه من صراعات واستقطابات طائفية وطبقية وحروب أهلية وتدخلات خارجية، كما تمثلت من الناحية الأخرى فى الرفض الإسرائيلى الشرس للاتفاق النووى بين إيران، وبين الدول الكبرى بقيادة الولايات المتحدة نفسها، وهو الرفض الذى قرّب كثيرا بين إسرائيل وبين الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والذى لقى أيضا تأييدا قويا داخل الكونجرس الأمريكى، مما سهل على الرئيس الذى خلف أوباما، أى دونالد ترامب الانسحاب من ذلك الاتفاق، فى فترته الرئاسية السابقة، ولتبقى واشنطن منغمسة بكل قوة فى المنطقة.
لكن الأكثر مدعاة للعجب والتساؤل المرتاب هو أن ترامب هذا نفسه هو الذى نص فى وثيقته الاستراتيجية الصادرة منذ بضعة أشهر على خفض الالتزامات الأمريكية فى الشرق الأوسط، للتفرغ لمواجهة الصين، وعلى تفويض مهمة حفظ مصالح واشنطن والاستقرار فى المنطقة الى تحالف إقليمى (بمساندة إسرائيل طبعا)، وقد بدا أن ذلك منطقى من وجهة النظر الأمريكية (بغض النظر عن تحفظاتنا)، بما أن البرنامج النووى الإيرانى قد تم القضاء عليه تماما بالضربات الإسرائيلية الأمريكية فى شهر يونيو من العام الماضى، كما أعلن ذلك الرئيس الأمريكى بنفسه أكثر من مرة، لكن ها نحن نشهد ذروة أخرى من ذرى التورط الأمريكى فى المنطقة ، ولأهداف غير محددة، بل ومتضاربة، ومتغيرة من يوم لآخر.
ربما يعتقد البعض أن هذه الحرب على إيران سوف تكون آخر الحروب الأمريكية فى الإقليم، لأنها شنت لهذا الغرض بالذات، بمعنى أن القضاء على التحدى الإيرانى مرة واحدة وإلى الأبد يسهل الانسحاب المطلوب من الشرق الأوسط، لتركيز كل الموارد العسكرية والاستراتيجية والدبلوماسية لمواجهة الصعود الصينى المتحفز، على أن تتسلم إسرائيل وحلفاؤها الجدد، وبعض الأقليات مهمة حفظ الأمن والاستقرار والتوازنات الجيدة فى الشرق الأوسط ، لكن هذه مغامرة شديدة الخطورة، أو هى كما يقال عادة فى مثل هذه الحالات قفزة فى الظلام نحو المجهول، أو هى وصفة للفشل.
كيف؟
لندع جانبا الآثار الجانبية السلبية العاجلة على تجارة وأسعار الطاقة فى أمريكا والعالم، ومضاعفاتها على مجمل الأوضاع الاقتصادية ومن ثم الاجتماعية والسياسية فى مختلف الدول، ولندع جانبا انهيار ماتبقى من مصداقية لأمريكا حتى لدى حلفائها التقليديين، وضياع ما تبقى من مصداقية لمؤسسة الحكم والقرار داخل أمريكا نفسها، وكذلك انقسام الحركة السياسية التى حملت ترامب إلى البيت الأبيض على نفسها بسبب هذه الحرب، التى يؤمن قطاع كبير فى تلك الحركة بأنها لحساب إسرائيل فقط لا غير… أقول لندع هذا كله جانبا - رغم أهميته - ونتساءل هل حقا يمكن لإسرائيل وتحالف الراغبين معها فى الإقليم ملء الفراغ الاستراتيجى الذى سيترتب على الانسحاب الأمريكى المطلوب من الخليج والعراق وسوريا الخ للتفرغ للمواجهة مع الصين ، وهو فراغ سوف يمتد حتى حدود باكستان وأفغانستان؟
الإجابة هى لا قاطعة مانعة، ذلك ان ملء الفراغ يحتاج إلى قوات على الأرض وليس مجرد غارات من السماء، وهذا ما لا تتوافر موارده ولن تتوافر لإسرائيل وتحالف الراغبين، سواء كان هؤلاء الراغبون دولا وحكومات، أو كانوا عملاء وأقليات، حتى وإن تسببت تلك الغارات الجوية والصواريخ فى سقوط نظم أو حتى دول، لأن ذلك لن يؤدى إلا إلى الفوضى والاقتتال، وقد اكتوت الولايات المتحدةّ أكثر من مرة بنيران الفوضى التى خلقتها فى العراق، أو تلك التى تركتها وراءها فى أفغانستان والصومال وغيرها، حيث تكبدت خسائر باهظة فى الأرواح والمكانة والمصداقية، وخصوصا حين اضطرت للتخلى عن حلفائها وتركهم لمصيرهم المشئوم.
وإذن فستبقى أمريكا متورطة فى الشرق الأوسط ، وسيزداد هذا التورط من حيث أرادت أن تغادره، لأن لديها ما يشغلها هناك فى الشرق الأقصى، وهذا هو ما يسمى فى أدبيات السياسة بال Self defeat، أى هزيمة الذات لنفسها بنفسها.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية