تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

شاهد على حروب أمريكا

حرصا علي تجنب اتخام القراء بالمزيد من التعليقات المبكرة حول توقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية علي إيران، تمهيدا لمحادثات سلام، استحسنت أن أستعرض اليوم رحلتي مع سلسلة الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة، منذ احترفت العمل الصحفي، وهي كلها تؤكد درسا واحدا معروفا للكافة، ومتكررا ّكأنه قانون حتمي، ومنطوقه أن الولايات المتحدة تكسب المعارك وتخسر الحروب، بل وغالبا ما تكون مشاهد النهاية مخزية ومفجعة. 

 

كتبت أول تقرير أو تحقيق كبير في حياتي الصحفية في إبريل عام 1975 عن لحظة سقوط سايجون عاصمة ما كان يعرف بفيتنام الجنوبية في أيدي  ثوار الفيت كونج وجيش الشمال، وفرار حكامها وقادة جيشها، وذلك بعد أن انسحب ما كان قد تبقي من القوات الأمريكية، ومن التحق بهم من العملاء.

وقتها  استمتعت  كثيرا - بحماس الشباب - بوصف مشاهد الانسحاب  الأمريكي المشين، كما تجسدت في مفاجأة قرار المغادرة، قبل الموعد المحدد في الجدول الزمني المعلن، وفي صور طائرات الهليكوبتر الأمريكية، وهي تغادر أسطح المنازل حاملة ما استطاعت حمله من الجنود، فيما كان يتدلي منها - وهي تبدأ التحليق - العشرات من الخونة الجنوبيين الفارين من مصير أسود، ينتظر خونة الأوطان في كل زمان ومكان.

ورغم  درامية تلك المشاهد فإن الصفحة لم يكن قدر لها بعد أن تغلق، إذ ظل لاجئو القوارب يهرعون إلي المجهول عبر الخلجان والأرخبيلات، أملا في الرحيل أو الترحيل إلي المنفي الأخير في الولايات المتحدة، صانعة المحنة.

من لم يعش تلك الأيام فقد رأي سيناريو طبق الأصل منها  في مشاهد الانسحاب الأمريكي المماثل في مهانته واذلاله من أفغانستان عام  2021، ومن سخريات الأقدار أنه حدث أيضا في  شهر أغسطس، الذي شهد الانسحاب المهين من فيتنام قبل نصف قرن تقريبا.

 بين فيتنام وأفغانستان شهدت  ثلاث حروب أمريكية، قبل الحرب الأخيرة علي إيران، وكلها  جرت في منطقتنا الشرق أوسطية، وانتهي اثنتان  منها علي الأقل  نهايات لاتقل عارا وإذلالا للأمريكيين، بالإضافة إلي مغامرة مخزية أيضا قصيرة في الصومال. 

ففي عام 1982، وفي أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان، أنزلت أمريكا عدة آلاف  من مشاة البحرية  (المارينز) علي البر اللبناني، فيما شاركت  مدفعية البوارج الأمريكية المرابطة علي السواحل في قصف مواقع المقاومة اللبنانية والفلسطينية، مساندة لإسرائيل، لكن كل هذا الاستعراض المبالغ فيه للقوة الأمريكية ذهب مع الريح لحظة أن تمكنت المقاومة من نسف ثكنة المارينز، ومعها أرواح أكثر من مائتي جندي، ثم تفجير السفارتين الأمريكية والفرنسية، لتتصدر صور توابيت القتلي علي أرض مطار بيروت في طريقها للولايات المتحدة  الصفحات الأولي لكل صحف العالم في اليوم التالي.

بعد ساعات، وعقب وصول الجثامين إلي الأرض الأمريكية ظهر الرئيس رونالد ريجان علي التليفزيون - بعد منتصف الليل ليعلن انسحاب، سحب، أو هرب قواته وأساطيله تحت جنح الظلام من أرض ومياه لبنان. بالتأكيد كانت حرب تحرير الكويت، من الغزو العراقي  -عام 1991- تحت علم الأمم المتحدة، وضمن تحالف دولي مختلفة في نهايتها ونتائجها، لهذا السبب عينه، بالإضافة إلي إدارتها السياسية بتعقل، فلم يستجب الرئيس جورج بوش الأب وقتها لغواية دخول العراق، وتغيير نظامها، مما حفظ للتحالف تماسكه، وللحرب مشروعيتها، وإن كان هذا الرئيس نفسه تسبب في لحظة تهور في مهانة مروعة لبلاده في الصومال، حين جُرت جثث جنوده القتلي في شوارع مقديشيو.

أما فضائح  وكوارث غزو  أمريكا وبريطانيا للعراق عام 2003 فلا تزال ممتدة حتي يومنا هذا، وستبقي معنا فترة طويلة علي ما يبدو، ويكفي أن أقول إنه في اليوم التالي لبث مشهد هبوط الرئيس بوش الصغير من مروحية إلي متن  حاملة طائرات مرتديا زيا عسكريا علي طريقة عيدي أمين وجوزيف موبوتو، وممسكا بالخوذة في يده ليعلن أن المهمة اكتملت…

آقول إنه في اليوم التالي لهذه المسرحية الهزلية اندلعت المقاومة الشعبية للاحتلال الأمريكي للعراق، وبعد أن أفشل الرفض المصري  الحاسم مشروعه لإرسال قوات حفظ سلام إسلامية  للعراق اضطرّ هو أيضا لسحب قواته بمهانة، مخلفا فراغا لم تملأه سوي  داعش والميليشيات الاخري، خاصة الحشد الشعبي والميليشيات الكردية.

قد يكون طريفا فضلا عن دلالته الرمزية أن أذكر أنني شاهدت في واشنطن في عام 2009 -بصحبة الزميلة د. اماني الطويل - متحفا زجاجيا للأحذية التي تبرع بها أصحابها تكريما للحذاء الذي قذفه الصحفي العراقي منتصر الزيدي في وجه بوش الابن  في مؤتمر صحفي في بغداد، وكان المعني هو هزء العراقيين في أمريكا ومعهم أمريكيون أصليون. من  شخص بوش، ومن أكذوبة الغزو لتحرير العراقيين من حكم صدام حسين، مع أنهم كانوا يكرهون  (صدام) بغير مراء.

قد يبدو هذا السرد، وكأنه شماتة في الولايات المتحدة، أو تقليل مغرض وغير  موضوعي من تفوقها العسكري الكاسح علي الجميع، ولكنه في الحقيقة مديح للديمقراطية الأمريكية، فهذه الديمقراطية وإن لم تنجح كثيرا في  منع الإمبرياليين الجدد والعنصريين الأبديين والرأسماليين المتربحين من الحروب والقتل والدمار من بدء الحروب، فإنها نجحت دائما في اجبار الرؤساء علي إنهائها، بمجرد انكشاف أكاذيبهم وتوالي خسائرهم، وما ذلك إلا خوفا من عقاب الناخبين.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية