تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
جذور الترامبية وجبهات الصراع داخل أمريكا
كل شئ بدأ مع الرئيس الجمهورى رونالد ريجان (1980-1988)، أو ما يحب المعسكر المحافظ فى السياسة الأمريكية تسميته بالثورة الريجانية، وكانت فى حقيقتها ثورة مضادة - بالشروط الأمريكية طبعا - لثورة الصفقة الجديدة بقيادة الرئيس الديمقراطى فرانكلين روزفلت (1932-1944)، فى ثلاثينيات القرن الماضى، عقب أزمة الكساد الكبير العالمية.
قامت ثورة روزفلت على أكتاف الائتلاف الانتخابى الكبير، الذى نجح الرجل فى تأسيسه، والمكون من الطبقات العمالية والفقيرة والأقليات العرقية، والمثقفين الليبراليين، والرأسمالية المتوسطة والصغيرة، والمهنيين، وتبنت مفهوم الدولة التدخلية فى الاقتصاد، وفى الإنفاق الاجتماعى، مع التوسع قدر الإمكان فى الحقوق المدنية للأقليات، وقد ظلت هذه السياسات مهيمنة على الداخل الأمريكى، لمدة نصف قرن تقريبا، حتى فى وجود رئيسين جمهوريين فى البيت الأبيض، هما دوايت آيزنهاور (1952-1960)، وريتشارد نيكسون (1968-1974)، وذلك لأن الرجلين كانا ينتميان الى الجناح المحافظ الواقعى، أو التقليدى للحزب الجمهورى، أو مايسمى بجناح القانون والنظام، فما الذى فعله أو مثّله رونالد ريجان إذن ليستحق وصف الثورة الريجانية المضادة؟.
نجح الرجل فى تأسيس ائتلاف انتخابى كبير يضم كل القوى الرجعية جنبا إلى جنب مع القوى المحافظة التقليدية، فكان أول رئيس جمهورى يتحالف مع الأصولية الدينية، أو مايسمى باليمين المسيحى، ويتبنى فى برنامجه الانتخابى الكثير من مطالبهم، ولم يجد الرجل أى غضاضة كذلك فى التحالف مع المسيحية الصهيونية، ولا فى مغازلة العنصريين الانعزاليين فى الجنوب الأمريكى، بل إنه هو نفسه كان عنصريا فجا، إذ وصف السود ذات مرة عندما كان حاكما لكاليفورنيا بأنهم (قرود)، وذلك فى مكالمة هاتفية مسجلة مع الرئيس نيكسون عام 1971.
كانت محصلة هذه التطورات الحزبية هى تغليب الطابع العقائدى الرجعى على تراث المحافظة التقليدية فى توجهات الحزب الجمهورى.
أما محصلة تلك الثورة الريجانية نفسها فتمثلت فى النيوليبرالية الاقتصادية، التى تخفض الضرائب على الأغنياء بذريعة تشجيعهم على التوسع فى الاستثمار، وفقا لنظرية تكبير الكعكة، وتساقط الثمار من أعلى (أى الأغنياء) إلى أسفل (أى العمال والفقراء)، وبالتالى الحد كثيرا من تدخل الدولة فى حفظ التوازن بين الأجور وبين الأرباح، والحد أيضا من الإنفاق الاجتماعى، وفى الوقت نفسه ضرب ومحاصرة النقابات العمالية، لتعجيزها عن مقاومة هذه السياسات الجديدة.
وفى ميدان السياسة الخارجية كان ريجان هو أول من أضفى على المواجهة مع الاتحاد السوفيتى طابعا دينيا، حين وصفه بأنه إمبراطورية الشر، وأعاد إطلاق سباق التسلح ببرنامج حرب النجوم، ثم إنه الرئيس الأمريكى الذى بدأ التحرش بالأمم المتحدة، والذى قاد أول غزو أمريكى صريح لدولة ذات سيادة، هى جزيرة جرينادا.
منذ تلك اللحظة رسمت خطوط الانقسام الإيديولوجى الحاد والصراع السياسى (الصفري) فى الحياة السياسية الأمريكية، ولكن كانت لاتزال هناك - بحكم القصور الذاتى - غلبة لما يسمى بالتيار الرئيسى الواقعى، الذى يدور حول الوسط السياسى، ويراوح أحيانا نحو يمين الوسط، كما فى حالة الرئيس جورج بوش الأب، وأحيانا نحو يسار الوسط كما كانت الحال مع كل من الرؤساء كلينتون وأوباما وبايدن، مع الأخذ فى الاعتبار أن رئاسة جورج بوش الإبن أحيت الثورة الريجانية الرجعية، فى الداخل والخارج، وذلك منذ اللحظة الأولى لحملته الانتخابية، ويكفى فى هذه العجالة الإشارة إلى الشواهد الثلاثة التالية، الأول هو تصريحه - فى ندوة انتخابية - بأنه يعتبر السيد المسيح هو أهم فيلسوف سياسي!!!!، والثانى هو التلاعب فى فرز الأصوات فى ولاية فلوريدا التى كان يحكمها شقيقه، مما تسبب فى نزاع وصل الى المحكمة العليا، ليفوز بفارق بضعة مئات فقط من الأصوات المطعون فى صحتها أصلا، وكان ذلك تأكيدا جديدا لتحول التعددية السياسية الأمريكية إلى تناحر واستقطاب يكاد يكون صفريا، والشاهد الثالث هو سيطرة المحافظين الجدد على سياسته الخارجية، علما بأن مصطلح المحافظين الجدد يقصد به الأشد محافظة، أو بمعنى أوضح الرجعيون الجدد.
لكن المعسكر الآخر لم يستسلم، بل إنه حقق أكبر انتصار فى تاريخه منذ ثورة روزفلت، وقانون الحقوق المدنية (1964)، بانتخاب باراك أوباما كأول رئيس أمريكى أسود، على أساس برنامج سياسى واجتماعى يحيى مبادئ وقيم ثورة الصفقة الجديدة فى القرن الحادى والعشرين، لاسيما بعد أزمة 2008 المالية المدمرة.
على أية حال كانت لحظة انتخاب أوباما بالنسبة للرجعية العنصرية الرأسمالية البيضاء هى لحظة «نكون أو لانكون«، وكان رجل هذه اللحظة هو دونالد ترامب، وهذا ما سنفصله فى المقال التالى، خاصة فى ضوء الأخطاء التكتيكية والاستراتيجية للحزب الديمقراطى، بعد انتهاء حقبة أوباما.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية