تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
النظام العالمى الأمريكى «6».. قوة عظمى وحيدة
واحدة من نصائح العالم السياسى الأمريكى روبرت بلاكويل الواردة فى دراسته القيمة الصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية، هى أن تعد الولايات المتحدة نفسها لعالم لم تعد تهيمن عليه منفردة بلا تحديات أو منافسات حقيقية من قوى صاعدة.
لكن هذا يتعلق بالمستقبل، أما حاليا فإنها تهيمن بالفعل على العالم، وأن ما تطلق عليه التهديد الصينى مجرد خطر مازال فى رحم الغيب. وستبقى موازين القوة لسنوات قادمة لصالحها على المستويات الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية والتكنولوجية.
الأرقام والإحصائيات المقارنة التى تفيض بها الدراسة تؤكد هذه الحقيقة إلى الحد الذى يدعو للتعجب من الخطاب الأمريكى الرسمى المسكون بالخوف والقلق من الصين، والتى يعتبرها المؤلف أيضا أخطر تهديد أمنى على أمريكا وحلفائها على المدى البعيد.
المبالغة الرسمية هنا قد تكون نوعا من الضغط على بكين أو حشدا للرأى العام الأمريكى لتبرير زيادة الإنفاق العسكرى والإجراءات التجارية الحمائية، أو هى فى النهاية رغبة أمريكية معلنة ومفهومة لوأد أى منافسة فى مهدها.
الصين تتقدم وتصعد بلا شك لكن المسافة بينها وبين أمريكا مازالت شاسعة، غير أن الأمريكيين يريدونها معركة صفرية مع كل خصومهم. ليس لأحد أن يدنو منهم أكثر مما يجب. لابد أن تظل هناك أميال تفصلهم عن أقرب منافسيهم فى سباق التفوق.
الأرقام التى تعرضها الدراسة تؤكد أن تلك الأميال ستبقى لسنوات وربما تتسع.
الاقتصاد الأمريكى هو الأقوى والأكبر عالميا، وهو أكبر من اقتصاديات الدول الأوروبية الثلاثين الأعضاء فى الناتو مجتمعة. ويتجاوز الناتج المحلى الإجمالى لأمريكا 30 تريليون دولار. ومتوسط الدخل السنوى للفرد من الناتج المحلى 85 ألف دولار وفقا لأرقام 2024 بينما يزيد قليلا فى الصين على 13 ألف دولار.
وتستحوذ أمريكا على 26% من الناتج الإجمالى العالمى مقابل 18٫5% للصين. ومنذ 2020 ينمو الاقتصاد الأمريكى بنحو 10% أو ثلاثة أضعاف المتوسط المسجل فى مجموعة السبع الصناعية. ونحو 58% من الاحتياطات النقدية الأجنبية توجد بالدولار وهو رغم المحاولات المضادة مازال عملة الاحتياط النقدى الرئيسة بالعالم.
جانب آخر من مظاهر التفوق تعبر عنه قوة إنتاجية العمل التى قفزت فى أمريكا بنحو 70% منذ 1990 مقارنة مع 29% بأوروبا و46% ببريطانيا و25% باليابان. وتسهم الصناعة بنحو 2٫3 تريليون دولار فى الناتج المحلى بأمريكا وفقا لإحصائيات 2023 ولديها ثانى أكبر قاعدة صناعية (بعد الصين)، لكنها تتفوق على ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية مجتمعة. ومنذ 2019 أصبحت واحدة من المصدرين الأساسيين للطاقة وفى 2024 بلغت عائدات صادراتها 332 مليار دولار.
علميا ضخت أمريكا فى 2023 نحو 940 مليار دولار فى الأبحاث والتطوير. ولديها سبع من أفضل عشر جامعات بالعالم. وتجذب باحثين أكثر من أى دولة أخري. ومنذ 2000 حصل المهاجرون إليها على 40% من جوائز نوبل الممنوحة للأمريكيين فى الطب والكيمياء والفيزياء. ولديها 36٫4% من العلماء المشهود لهم بالعالم مقابل 22٫3% بالصين.
ورغم المنافسة الصينية الشرسة لها فى مجال الذكاء الاصطناعى فإنها مازالت الأقوى وحقق لها هذا القطاع دخلا بلغ 100 مليار دولار منذ يناير وحتى أغسطس من العام الماضي. بينما تقدر دراسة بنك اوف أمريكا حجم استثمارات القطاعين العام والخاص بالصين فى هذا القطاع بنحو 98 مليار دولار العالم الماضى بأكمله. الأرقام فى هذا المجال كثيرة وكلها تؤكد تفوق أمريكا بل إن الشركات الصينية تعتمد على التكنولوجيا الأمريكية من خلال رقائق الكمبيوتر التى تستوردها.
ومن الطبيعى أن ينعكس هذا الاقتصاد القوى على القدرات العسكرية لأمريكا التى خصصت 849 مليار دولار لميزانية الدفاع فى 2025 . ويشكل إنفاقها الدفاعى 37% من الإنفاق العالمى أى ما يزيد على إنفاق الدول التسع التالية لها مجتمعة. وخلال العام الماضى خصصت وزارة الدفاع 141 مليار دولار للأبحاث العسكرية وهو ما يعادل ميزانية الدفاع الروسية بأكملها.
وتستحوذ أمريكا على 43% من صادرات السلاح بالعالم. ولديها ثلث الصواريخ الباليستية العابرة للقارات والغواصات القادرة على إطلاق نفس الصورايخ والقاذفات الاستراتيجية. وتضم ترسانتها العسكرية أكثر من 1700 سلاح نووي.
ولديها قدرة على حشد أكثر من 2٫1 مليون جندى منهم 1٫4 بالجيش مع أكثر من 400 ألف مركبة عسكرية متنوعة بزيادة 100 ألف عما تملكه الصين وروسيا معا. وسلاحها الجوى هو الأقوى والأحدث بالعالم ويضم 13 ألف طائرة أى أكثر مما لدى الدول الأربع التالية مجتمعة وهى روسيا والصين والهند وكوريا الجنوبية.
وأسطولها البحرى هو ثانى أكبر أسطول بعد الصين من حيث عدد القطع ويضم 11 حاملة طائرات و71 غواصة نووية. ولديها وجود فى 750 قاعدة عسكرية فيما لا يقل عن 80 دولة. وتتجسس على العالم بنحو 247 قمرا صناعية عسكريا.
دعك من تغلغل مخابراتها فى كل بلدان العالم. فضلا عن تطور نظامها العسكرى بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي. وشركاتها تصمم وتنتج حاليا الجيل الجديد من الروبوتات والطائرات «الدرون» الأكثر تطورا. وتتفوق بمسافة كبيرة على الصين فى هذا المجال.
ومن الطبيعى فى ظل هذا التفوق العسكرى والاقتصادى الساحق أن تتمتع أمريكا بأكبر نفوذ سياسى بالعالم. وأى حديث عن تمدد النفوذ الصينى يبقى من قبيل المبالغات إذا ما قورن بنفوذ أمريكا وقدرتها على فرض إرادتها أو ممارسة الضغوط وفرض العقوبات على الدول الأخري.
فى المقابل ترى الدراسة أن الصين لديها مشكلات داخلية هيكلية تعوق تقدمها وتبطئ من هرولتها للحاق بأمريكا. وبتعبير بلاكويل فإن مشكلاتها تكبل طموحاتها. ويدلل على ذلك بالإشارة إلى أن اقتصادها لم يسجل نموا سوى بنسبة 5% فى 2024 وهو الرقم الرسمى الذى يشكك فيه، حيث يقدر باحثون مستقلون الرقم الحقيقى ما بين 2٫4 و2٫8% فقط، وهو أسوأ أداء منذ وفاة مؤسسها ماوتسى تونج 1976.
مشكلة عصيبة أيضا تعوق مسيرة الصين تتمثل فى نسبة الديون إلى الناتج المحلى التى ارتفعت من 150% فى بداية الألفية إلى 300% فى 2024، كما قفزت معدلات البطالة بين الشباب إلى 18% فى مجتمع يشيخ وتتراجع قدرته على الإنتاج لزيادة أعداد المسنين وتراجع أعداد الشباب بسبب سياسة الطفل الواحد الصارمة التى طبقتها لعقود. ونتيجة لذلك انخفض النمو السكانى 94% من 2011 إلى 2021. وتتوقع الأمم المتحدة انخفاض تعداد الصين بنحو 43% من 1٫4 مليار نسمة اليوم إلى 633 مليونا فى 2100.
لكل ذلك تبقى التوقعات عن نهاية الحلم الأمريكى أو انتهاء القرن الأمريكى أو أفول عصر القوة العظمى الوحيدة من قبيل الأمنيات ولا تعززها أدلة أو أرقام موثقة.
وبنفس القدر فإن التهويل الأمريكى بشأن الخطر الصينى هو أيضا من قبيل المبالغات. مازلنا فى عصر القطب الواحد. هذه هى الحقيقة التى يجب الإقرار بها حتى لو كانت لا تسعدنا.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية