تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
القتل باسم الرب «3» .. أمريكا الحائرة مع دينها!
استدعاء الدين فى الحياة السياسية الأمريكية كان ومازال تقليدا راسخا ومتبعا منذ تأسيس الدولة. كل الرؤساء من جورج واشنطن إلى دونالد ترامب فعلوا ذلك بصورة أو أخري. ظل توظيف الدين لخدمة الأغراض السياسية منهجا ثابتا فى زمن السلم والحرب على السواء، ولأهداف نبيلة أحيانا أو خبيثة فى أحيان أخري. هذا الحضور الطاغى للدين فى المشهد السياسى الأمريكى يثير حيرة المراقب من بعيد؛ فهل أمريكا فعلا دولة علمانية تتدثر برداء دينى أم دولة دينية حقيقية تتخفى تحت عباءة علمانية؟.. قد يبدو التساؤل مثيرا للدهشة أو الاستنكار بالنسبة لدولة ديمقراطية متقدمة مثل الولايات المتحدة. لكن الحقيقة التى يعرفها المتابع عن قرب والتى ينطق بها الواقع تقول إن أمريكا هى بالفعل هاتان الدولتان.. أمة منقسمة تتمزق هويتها بين هاتين الشخصيتين وهو ما يفسر التناقض الذى تعيشه. هذه ليست رؤية خاصة لكاتب هذه السطور لكنه التشخيص العلمى الذى يقدمه أستاذ العلوم السياسية الأمريكى سكوت هيبارد فى كتابه السياسة الدينية والدول العلمانية (مصر والهند وأمريكا) والذى صدرت ترجمته العربية عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بعنوان «الدين ووظائفه السياسية».
يقدم المؤلف تشريحا سياسيا ودينيا دقيقا للحالة الأمريكية، وكيف يتم توظيف الدين سياسيا متتبعا ارث القادة الأمريكيين منذ منتصف القرن العشرين وحتى رئاسة باراك اوباما. فى مستهل الفصل السادس حيث يبدأ فى مناقشة التجربة الأمريكية (بعد أن عرض التجربتين المصرية والهندية) يؤكد الحقيقة التالية نصا: «ظل الدين دائما ملمحا مركزيا فى السياسة الأمريكية على الرغم من الفصل المؤسسى بين الدولة والكنيسة.. مازال الدين وخاصة المسيحية البروتستانتية متجذرا بثبات فى القومية والثقافة الأمريكية ومعه الاعتقاد بأن الأمريكيين هم شعب مختار اصطفى ليؤدى رسالة إلهية فى هذا العالم.. ويتجلى هذا الفهم فى التوجه لربط الديمقراطية بالتدبير الإلهى وعناية الرب».
الملاحظة المهمة التى يرصدها الكاتب بعد ذلك هى أن الموروث الدينى ظل مصدرا للصراع الناجم عن رؤيتين مختلفتين للدولة. يوضح ذلك بقوله: «فى لحظات الاعتدال (لا تعيشها أمريكا حاليا) تطبق وتفعل العناصر المتسامية للقومية الأمريكية دينا مدنيا يمد الحياة العامة بالإيمان. وكان هذا الفهم اللا طائفى للدين السمة المميزة للإجماع الليبرالى بعد الحرب العالمية الثانية. لكن فى أحيان أخرى ظلت الكنيسة البروتستانتية (الإنجيلية) المتزمتة تشكل جوهر قومية دينية اقصائية وعدوانية تطرح رؤية مسيحية بامتياز للتاريخ الأمريكي، وتربط بين الأهداف القومية وتنفيذ مشيئة الرب على الأرض».
وهذا هو التيار المسيطر حاليا برؤيته اليمينية الصهيونية المتطرفة والمتحكمة تماما فى البيت الأبيض ومفاصل الإدارة.
النتيجة كما يوضحها الكتاب هى أن هاتين النظرتين المتباينتين لإرث أمريكا الدينى تعكسان تأويلات أو تفسيرات مختلفة للمورث اليهودى المسيحي، وأيضا رؤية متعارضة ومتصادمة للدولة، وظل هذا التناقض يشكل خطوط التماس للصراع السياسى طوال قرنين.
يتيح هذا التفسير، الذى يعرضه الكتاب فهما أعمق للخلافات الحادة التى تقسم المجتمع الأمريكى وليس فقط النخبة الحاكمة من الحزبين. إذ يتضح أن الانقسامات مردها رؤية دينية متعارضة وليس مجرد خلافات حول برامج سياسية واقتصادية. يوضح الكاتب ذلك بقوله: «من ناحية تم تأسيس الرؤية العلمانية للقومية الأمريكية على فهم ليبرالى حداثى للدين. ويعكس هذا أفكار حركة التنوير التى كانت سائدة لدى إقامة الدولة.. فى هذا الإطار حرص الدستور على حماية الدين من التدخل الحكومي، وبالتالى لم يمنح أى طائفة دينية أفضلية. فى ترسيخ لمبدأ الحرية الدينية».
ما يقوله المؤلف هنا صحيح وإن كان معظم الرؤساء والسياسيين عادة يتحدثون عن أمريكا كما يرونها دولة ذات ثقافة وتوجه مسيحى يهودي.
على الجانب الآخر، يوضح الكاتب أن معتنقى الأفكار الدينية المحددة لهوية الدولة يرفضون الموروث العلمانى وينظرون إلى الولايات المتحدة باعتبارها بلدا مسيحيا فى المقام الأول. ويشكل هذا التفسير جوهر رؤية اقصائية حصرية للهوية القومية يتم تحديدها على أسس دينية أو عرقية أو إثنية. «وطوال تاريخ أمريكا ظل المدافعون عن هذه الرؤية يتملكهم القلق من العلمانية المفرطة التى يرونها مصدر جميع الامراض الاجتماعية المعاصرة. ومن ثم يعتبرون الربط بين الدولة والمسيحية المنظمة شرطا مسبقا لخلاص الجماعة السياسية، وإعادة غرس القيم فى الحياة العامة».
لكن كيف يرى الفريقان «حق» أمريكا فى استخدام القوة ضد الآخرين؟ نفهم مما يروى المؤلف أن الفريقين لا يمانعان فى استخدامها من حيث المبدأ لكن انطلاقا من تفسيرات وقناعات مختلفة وهى نقطة مهمة تحدث عنها باستفاضة لا مجال لعرضها هنا. لكن باختصار يوضح أن الدين فى السياق الليبرالى ظل دائما يخدم وظيفة تبشيرية منفتحة فى الحياة السياسية وتم استدعاؤه لتقييد ممارسة السطوة الدنيوية. وبهذه الصفة ترى تلك النظرة أن أمريكيا تخضع للرب ومن ثم فهى مسئولة أمامه. وخلاصة ما يرون هنا أن استخدام القوة ممكن لكن لابد أن ترشد الأخلاقيات الدينية أفعال الحكومة وتقيدها نظرا لاحتمال الانتهاكات من قبل البشر المعرضين للخطأ. (على هذا الأساس انطلقت معارضتهم لحرب فيتنام على سبيل المثال).
فى المقابل، والكلام للمؤلف، تنزع الرؤية المسيحية الصريحة للقومية الأمريكية إلى دمج الأهداف الدينية بأهداف الدولة أو بأهداف حزب سياسي، لذا تصادق دوما على سياسات الحكومة من منطلقات كهنوتية متشددة. ووفقا لهذا يتم تصوير السطوة العسكرية والسياسية والاقتصادية على أنها خير لأنها ترتبط بهدف الهي. وبدلا من إخضاع الحكومة للمساءلة يجعل هذا النهج من أهداف مثل حماية المصالح القومية، أيا كانت، أساسا للحكم على البعد الأخلاقى للسياسة الأمريكية.
نشير مرة أخرى إلى أن الكتاب صدر قبل مجيء ترامب لكن المنهج الذى اتبعه المؤلف يصلح للتطبيق على أى رئيس قادم. ومن المؤكد أن نفس هذا المفهوم الكهنوتى لتبرير السياسات العدوانية وتسويغها والدفاع عنها هو ما نراه مطبقا الآن من خلال التوظيف النشط للدين لتبرير العدوان على إيران، وعلى أساس إدراك أن هذا التوجه هو فى الحقيقة تقليد أمريكى يعكس رؤية فريق كبير من مكونات المجتمع إن لم يكن نصفه من ذوى التوجهات اليمينية الصهيونية المتطرفة. نفهم مما أوضح المؤلف أيضا لماذا يسارع التيار الإنجيلى الصهيونى بدعم الحرب وإضفاء طابع القداسة عليها بحسبانها موقعة فى الطريق إلى معركة هرميجدون ثم نهاية العالم وعودة السيد المسيح.
لكن كيف تعامل الرؤساء المتعاقبون منذ منتصف القرن الماضى وحتى الآن مع الدين كأداة سياسية؟ وكيف شقوا طريقهم وسط الصراع المحتدم بين الرؤيتين العلمانية والدينية؟، والاهم كيف تطورت قوة التيار الإنجيلى الصهيونى إلى أن جاء وقت سيطر فيه تماما على إرادة وقرارات الرئيس ووجهه إلى حيث تريد إسرائيل حتى ولو تعارضت مصالحها مع المصالح الأمريكية ذاتها؟ تساؤلات مهمة نبحث عن إجابات لها لدى المؤلف الأسبوع المقبل.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية