تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

القتل باسم الرب

في زمن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا فائقة التطور مازالت الحروب تتدثر بعباءة الدين. إلى الآن توظف الدول الخطاب الديني لتبرير حروبها وهو نفس السلاح الذي كانت تستخدمه القبائل البدائية والممالك الغابرة والإمبراطوريات الكبرى بعد ذلك. كان الدين ومازال حاضرا في الكثير من النزاعات وسيظل كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

للسردية الدينية تأثير سحري في حشد الرأي العام وضمان دعمه للقيادة، وإلهاب حماس المقاتلين ودفعهم للتضحية في سبيل قيم عليا يؤمنون بها. فمادامت المعركة مقدسة والحرب باسم الرب وفي سبيله فإن كل شىء يصبح رخيصا؛ المال والدم والروح.

هذه طبيعة الإنسان التي لا تتغير عبر الزمان والمكان وهو التفسير البسيط الذي يبدد دهشة كثيرين يحيرهم استدعاء اليمين الأمريكي المتشدد الأدبيات اللاهوتية لتبرير الاعتداء على إيران. توظيف الخطاب الديني على نحو مكثف في إيران أمر مفهوم فهي دولة ذات مرجعية دينية. نفس الأمر بالنسبة لإسرائيل وهي في الأساس مشروع استعماري غربي يستند فكريا على أساطير توراتية تدعي الحق اليهودي المقدس في ارض فلسطين. وإسرائيل منذ البداية لا تنكر طبيعتها اليهودية كوطن لليهود. وكل حروبها واعتداءاتها تتم تحت غطاء ديني رغم دوافعها السياسية والاقتصادية. لكن بالنسبة لأمريكا يبدو الأمر مختلفا ومثيرا للفضول إلى حد كبير وإن كان لا يمثل لغزا في الحقيقة.

لم تقدم الإدارة الأمريكية مبررا مقنعا للرأي العام لشن الحرب التي تتناقض مع تعهدات ترامب الانتخابية بعدم التورط في مغامرات عسكرية جديدة. ويأخذ عليه منتقدوه أنه يقدم في كل مرة مبررا يختلف عن المرة السابقة أو لا يستند إلى أدلة قاطعة مثل الادعاء بتخطيط إيران لمهاجمة الأراضي الأمريكية.

وبطبيعة الحال لا يمكن أن تعترف الإدارة بأن الحرب جاءت تلبية لرغبة وإلحاح إسرائيل. ولن تعترف أيضا بالدوافع الإستراتيجية بعيدة المدى لها كأحدث معاركها في حرب طويلة وممتدة للسيطرة الكاملة على الشرق الأوسط وتصفية آخر قلاع الممانعة وإعادة رسم خريطة المنطقة تحت قيادة وهيمنة إسرائيل مع تصفية آخر مناطق النفوذ الصيني.

الخطاب الديني قد يكون احد العوامل المعززة للموقف الأمريكي الضعيف داخليا وهو يغازل مشاعر شريحة كبيرة من المسيحيين القوميين. كما أن تدمير إيران وتحقيق رغبة اسرائيل يلبي مطلبا أساسيا للتيار المسيحي الإنجيلي وهو القاعدة الانتخابية الرئيسية الداعمة لترامب. وهذا يعني وجود دوافع دينية بالفعل للحرب خاصة لدي اليمين المسيحي المحافظ، فضلا عن الأهداف الاستراتيجية التي أشرنا إليها.

مطالعة ما يصدر عن القوميين المسيحيين وغلاة المتطرفين اليمينيين داخل وخارج الإدارة تدعو للدهشة بالفعل من طبيعة الأجواء التي يريدون فرضها على المجتمع الأمريكي حاليا وكأنه يعيش في ظل حروب العصور الوسطى أو يخوض جولة جديدة من الحروب الصليبية. هذه ليست انطباعات عابرة أو اتهامات مرسلة لهم بالتطرف والرجعية لكنها كلماتهم المسجلة والمذاعة وأيضا المرسومة على ذراع بيت هيجسيث وزير الدفاع الذي يحب أن يلقب بوزير الحرب. على ذراعه وشم عبارة عن رسومات هي في الواقع شهادة على عنصريته ستلازمه طيلة حياته وتذهب معه إلى قبره بعد عمر طال أو قصر. يتضمن الوشم كلمة «كافر» باللغة العربية والمقصود بالطبع العرب والمسلمون. وكذلك الصليب وعبارة «مشيئة الرب» وهو الشعار الذي رفعه بابا الفاتيكان أوربان الثاني 1096 لتبرير إطلاق الحروب الصليبية.

سنعود لقصة هيجسيث وأفكاره لكن نشير أولا إلى أنه ليس الوحيد في الإدارة الحالية الذي يتبنى خطابا مسكونا بالكراهية ضد الآخر. وليس الوحيد الذي يستدعي أساطير دينية بالية لتبرير الحرب أو دعم إسرائيل باعتباره واجبا دينيا والتزما أخلاقيا لأي مسيحي ملتزم وليس فقط لدواع سياسية.

قبل أيام نشر مارك وينجفيلد وهو كاتب ورجل دين معتدل تقريرا مطولا رصد فيه عشرات النماذج لتصريحات مسئولين في الإدارة ومتعاطفين معها ومقربين من ترامب يوظفون نفس الخطاب الديني لتبرير الحرب ودعمها وتأكيد حماية إسرائيل كفرض ديني. تضمن التقرير أيضا الإشارة لتصريحات السفير الأمريكي بإسرائيل مايك هاكابي وهو قس سابق والتي أكد فيها أن حدود إسرائيل هي التي رسمتها التوراة من النيل إلى الفرات ومن حقها الحصول على هذه الأراضي.

هيجسيث أيضا له آراء موغلة في التطرف دعما لإسرائيل. وله كتاب بعنوان «الحملة الصليبية الأمريكية» تنضح سطوره بعنصرية مخيفة ليس ضد العرب والمسلمين فقط بل ضد اليسار الأمريكي نفسه الذي يراه خطرا على الأمة «يريد هدمها مع تدمير الرأسمالية ومن ثم فإن الصراع معه أبدي ولا يحل بعملية سياسية».

بنفس القدر من الوحشية دعا القادة العسكريون قبيل الحرب إلى اللجوء إلى اقسي درجات الفتك «ومن لا يريد عليه ترك موقعه». في إطار نفس العنصرية قال إن «الأنظمة التي لديها أوهام نبوية إسلامية لا يمكنها امتلاك أسلحة نووية». وهي رسالة واضحة للجميع وليس إيران فقط.

في كتابه يصف الإسلام بأنه ليس دين سلام ولم يكن كذلك قط. ويرى أن المسلمين يخططون لغزو أوروبا وأمريكا ديموجرافيا وثقافيا وسياسيا ويتحالفون مع العلمانية لتدمير الأمة الأمريكية اليهودية المسيحية. الحل كما يراه هو «تكرار ما فعله أجدادنا المسيحيون قبل ألف عام» أي الحرب الصليبية. «ومن يحب هؤلاء المقاتلين عليه أن يحب إسرائيل».

خطورة تراهات هيجسيث أنها تتجاوز عقله الضيق الملوث بالأفكار المسمومة إلى أروقة الإدارة بل تتحول تدريجيا إلى منهج عمل للقوات الأمريكية. هذه المخاوف تحققت بالفعل وأكدها التقرير الذي نشرته صحيفة الجارديان البريطانية الأسبوع الماضي وكشف عن حملات شحن معنوي ينفذها القادة لإقناع الجنود برؤية لاهوتية تصور الحرب ضد إيران باعتبارها نبوءة الرب الواردة بالكتاب المقدس تمهيدا لمعركة هرمجدون أو نهاية العالم ونزول المسيح المخلًص. وعلى أساس أن تدمير إيران هي البداية. والى أن يعود المسيح فإن القائد المخلًص الآن هو ترامب نفسه لأن يسوع مسح على رأسه أو جسمه لإشعال الحرب وفقا لهلوسة احد غلاة المتطرفين اليمينيين. (لم ينقل التقرير باقي أقوال هذا المعتوه عن تفاصل المسح ومكانه ونوع المادة المستخدمة!).

بالعودة إلى تقرير وينجفيلد فإنه لا ينكر الدوافع الدينية والسياسية للحرب لكنه يضيف دافعا آخر مهما هو الرغبة الشخصية للرئيس ومصلحته الخاصة. لذا يطلق عليها حرب ترامب. يقول الكاتب إن ترامب كان يتوق إلى معركة كبرى تلهي الرأي العام بعيدا عن فضائحه المتكررة وآخرها ورود اسمه في ملفات ابستين. ومع تراجع شعبيته ورفض الرأي العام لكثير من سياساته أصبح يعيش قصة فشل متعددة الأوجه.

وهو في الحقيقة (الكلام للكاتب) لا تعنيه الديمقراطية في إيران ولا حتى في أمريكا، ولا يأبه لقتل آلاف الإيرانيين ولا الأمريكيين أنفسهم. كل ما يعنيه هو إنقاذ سمعته الملطخة بالفضائح وإنقاذ شعبيته المتدهورة والبحث عن نصر يخلد به اسمه. وإذا كانت الحرب ستحقق له هذه المكاسب فمرحبا بها. لنبدأ القتال أولا ثم نبحث عن مبررات موضوعية بعد ذلك.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية